Advertise here

هل "تقتحم" بكين ملف الصراع العربي - الإسرائيلي؟

17 حزيران 2023 07:10:04

مغادرة الصين لمربع الديبلوماسيّة الهادئة خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط واقتحامها المشهد الإقليمي، تتسع دائرته بشكل تدريجي. فبعد التفاهم "التاريخي" بين المملكة العربيّة السعوديّة وإيران، الذي يبقى خاضعاً لاختبار النوايا، ها هي الصين تدعم عضويّة كاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة وتجدّد موقفها من قيام دولة مستقلّة على أراضي 67 وعاصمتها القدس الشرقيّة.

وبمعزل عمّا إذا كان هذا الموقف هو مجرّد تكرار للأدبيّات السياسيّة القديمة التي صارت جزءاً من "الفولكلور الإعلامي"، إذا صح التعبير، إلا أن صدوره عن قطب دولي بحجم الصين ينطوي على دلالات خاصة ويفسح المجال أمام استعادة جانب من الإهتمام الدولي بالقضيّة الفلسطينيّة، التي شهدت تراجعاً في المحافل العالميّة بعد توقيع اتفاقات أبراهام ولم يعد فيها سوى حركة النضال اليومي لشعبها التي لم تتوقف ولن تتوقف قبل استعادة الحقوق المشروعة.

الإندفاعة الصينيّة نحو قضيّة فلسطين وملفات الشرق الأوسط عموماً تأتي بعد جهود جبارة بذلتها بكين في العقود الماضية على تقوية اقتصادها الذي شهد معدلات نمو تاريخيّة وغير مسبوقة وصار منافساً لأكبر الاقتصادات العالميّة وفي طليعتها الولايات المتحدة الأميركيّة وأوروبا مجتمعة، الأمر الذي مكّنها من بسط نفوذها على الساحة الدوليّة خصوصاً في أفريقيا التي كانت شبه منسيّة فنجحت في ملء الفراغ في العديد من بلدانها وأميركا اللاتينيّة أيضاً.

"التناطح" بين بكين وواشنطن يشمل عمليّاً جميع القطاعات. وفي غضون سنوات قليلة، وجدت واشنطن نفسها أمام عملاق اقتصادي يمدّ أذرعه إلى الكرة الأرضيّة قاطبة سواء تلك التي كانت قلّما تكترث لها أم الدول والمناطق التي لها نفوذ تاريخي فيها وفي طليعتها المنطقة العربيّة والشرق الأوسط.

وتبيّن، وفق قراءات سياسيّة وديبلوماسيّة عديدة في الغرب، أن المقاربة الصينيّة كانت أكثر نجاحاً من المقاربة الأميركيّة والغربيّة عموماً التي أغرقت نفسها (وسواها طبعاً) بمغامرات وحروب عسكريّة طاحنة مثل أفغانستان والعراق (وسابقاً كوريا وفيتنام وغيرهما)، فتكبّدت خسائر هائلة بالأرواح والتكاليف الماليّة الباهظة، بينما كانت بكين منهمكة في بناء اقتصادها الصناعي الحديث وفي إستكشاف المناطق "غير المستثمرة" حول العالم.

وأطلقت الصين لهذه الغاية مبادرات إستثماريّة ضخمة لعل أبرزها "مبادرة الحزام والطريق"، وهي أكبر مشروع بنى تحتيّة حول العالم في تاريخ البشريّة وترمي بكين إلى استعادة أمجاد الماضي، حيث كان اقتصادها متقدّماً في مطلع القرن التاسع عشر إلّا أنه تساقط أمام تقدّم الثورة الصناعيّة التي غيّرت حركة الاقتصاد العالمي ومفاهيمه الأساسيّة ومساراته التنفيذيّة.

المهم الآن أن يسعى المسؤولون الفلسطينيون للاستفادة من هذه الاندفاعة الصينيّة التي لم تتوانَ عن "عرض خدماتها" أيضاً في مجال المصالحة الفلسطينيّة - الفلسطينيّة التي تعثّرت في المرات السابقة ولم يُكتب النجاح للعديد من الاتفاقات السابقة مثل إتفاق القاهرة ومكة والجزائر وسواها من المحاولات التي بقيت قاصرة عن مواكبة التحديات التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي.

بطبيعة الحال، سوف تنظر واشنطن بحذر، لا بل بكثير من القلق، إلى هذا الحراك الصيني، خصوصاً أنها لطالما كانت منحازة إلى إسرائيل ولم تتأخر يوماً عن تقديم الدعم السياسي والمالي والعسكري لها، كما أنها وفّرت لها الغطاء الدائم في مجلس الأمن لتتهرّب من تنفيذ قرارات الشرعيّة الدوليّة.

ولعل هذا القلق سوف يُترجم نفسه بمزيد من الانحياز إلى إسرائيل بما يفسح المجال أمام نوع آخر من الصراع قد لا يصب في مصلحة القضيّة الفلسطينيّة. ولكن في نهاية المطاف، لا بد من البحث عن بدائل إزاء الوضع القائم راهناً والذي يدفع فيه الشعب الفلسطيني يومياً فاتورة الاحتلال والقهر والإذلال.