العنف في غزة هو اللغة الوحيدة.. زيادة مأساوية في حدّة الاحتلال

05 حزيران 2023 14:54:30

تستمر إسرائيل للسنة الـ56 في انتهاك حقوق الفلسطينيين، من خلال التصعيد في الممارسات التي تقوم بها، وضمّ عدد كبير من الأراضي الفلسطينية إليها، ووفق تقرير مشترك صادر عن 17 منظمة للدفاع عن حقوق الإنسان في إسرائيل، فإنَّ المعطيات تدل على زيادة مأساوية في حدة الأبارتهايد والاحتلال.


عندما يصبح السيء أشد سوءاً، علينا أن نفكر مجدداً في سبل عملنا. اليوم تنتهي السنة الـ56 للاحتلال، وكما هي الحال في كل سنة وطوال السنة، نشير إلى الظلم المستمر، وإلى الأبارتهايد، والعنف والنهب، لكن السنة الأخيرة كشفت عن هاوية جديدة؛ عنف متزايد، وضم متسارع، وطرد، وهجوم علينا نحن منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان.
ومن خلال تفصيلات الوضع الفوضوي، أدركْنا أنه لم يعد في الإمكان الاستمرار في روتين التوثيق ونضال كل منظمة على حدة، وهناك حاجة ماسة إلى جمع النقاط وفحص سياسة الحكومة فحصاً شاملاً. لذلك، توحّدنا للمرة الأولى؛ 17 منظمة للدفاع عن حقوق الإنسان رائدة في إسرائيل، كي نقدم للجمهور في البلد وفي الخارج تحليلاً متكاملاً للواقع المستجد في المناطق، وندعو بصوت واحد إلى العمل الحثيث والفوري.


فيما يتعلق بالاحتلال والأبارتهايد اللذَين يُلحقان الضرر بكل مجالات حياة الفلسطينيين، فإن كل منظمة تركز مهنياً على شيء محدد. ويجمع عملنا بين الناحية القانونية والجيوسياسية، وبين النضال من أجل السلامة والأرض وبين المرافقة على الأرض لتمثيل قانوني دولي. لهذه المنظمات تجربة متراكمة لسنوات طويلة من النضال ضد الاحتلال وتوثيق الانتهاكات الكبيرة التي يُلحقها بحقوق وحياة الإنسان. ومعاً، نقود أكثر من 200 عامل يخرجون إلى الميدان ويرسمون الخرائط، ويجرون المقابلات، ويجمعون الشهادات، ويصورون، ويقدّمون العلاجات الطبية، ويؤمّنون المساعدة القانونية، ويكتبون ويحررون كل ما يمكن أن يصل إلى من يريد أن يسمع.


يقودنا العمل المتراكم إلى استنتاج قاطع؛ نحن نشهد زيادة دراماتيكية في حدة الوضع. لقد ركزنا في التقرير المشترك الصادر اليوم على أربع قضايا ملحة جداً:

التسارع في خطوات الضم: في هذه السنة، سجلنا الانتقال من الضم الذي تدفع به إسرائيل قدماً طوال سنوات الاحتلال كأمر واقع إلى ضم كامل. طبعاً، امتنعت الحكومة من إعلانها عموماً ضم المناطق، لكن انتقال الصلاحيات المدنية إلى بتسلئيل سموتريتش من خلال منصبه كوزير في وزارة الدفاع جعله عملياً الشخص المدني الذي يحكم في الضفة الغربية. هذه الخطوة، بالإضافة إلى خطوات تشريعية أُخرى، ترسّخ بصورة بيروقراطية توسع سيطرة المواطنين الإسرائيليين فقط على المناطق (أمّا الفلسطينيون، فلا يزالون يخضعون لحكم عسكري)، ومغزى ذلك تسريع الضم الكامل.


في هذه الأثناء، يقسم كل من الفصل بين غزة والضفة الغربية، وتدمير المؤسسات والمجتمع المدني، المجتمعَ الفلسطيني إلى أجزاء صغيرة يمكن السيطرة عليها وإدارتها. لقد جرى التعبير فوراً عن إعلان الحكومة أن هدفها مضاعفة عدد المستوطنين في الضفة في خطط البناء وفي الموافقة على ميزانيات. إن الاستثمارات الضخمة لوزارة الاستيطان والمهمات الوطنية، وتخصيص ربع ميزانية وزارة المواصلات للبنى التحتية في المناطق، والدفع قدماً بمشاريع كبيرة للمساكن في عشرات المستوطنات وشق الطرقات (الطريق الدائري الشرقي والبناء في منطقة E1 تحديداً) كلها أشياء تدل على أن ما كان يُعتبر طوال سنوات "ضماً زاحفاً" قد تعلم المشي وبسرعة.


تصاعد خطوات الطرد والاقتلاع: عندما يكون هدف الاحتلال ضم الحد الأقصى من الأرض، وتقليص عدد السكان الفلسطينيين إلى الحد الأدنى، فإن الصورة التي تستكمل الضم هي الطرد. لقد تركزت جهود الطرد في السنة الأخيرة على القدس الشرقية وأراضي منطقة ج. وقد جرى في القدس منع حقوق التخطيط والبناء، وجرى هدم منازل واستغلال "قانون تسوية الأراضي" لنهب السكان الفلسطينيين وجعلهم يواجهون خطر حرمانهم إقامتهم وطردهم من المدينة. لقد أُعلن أن نصف الأراضي في المنطقة ج هي أراضٍ عسكرية مغلقة، ولا يمكن التجول فيها أو الزراعة أو الرعي، وهو ما يبعد الفلسطينيين عن أراضيهم.


ويجب الإشارة تحديداً إلى أعمال الطرد ضد سكان بلدة مسافر يطا التي شرعنتها المحكمة العليا والخطوات السيئة التي تمارَس ضدهم، في محاولة لطرد أكثر من ألف شخص. إن منع الفلسطينيين منعاً مطلقاً من حقوقهم في تخطيط البناء في المنطقة ج يجعل عدداً من المنازل يواجه خطر الهدم، ويجعل الجماعات تواجه الطرد، ونذكر على سبيل المثال على ذلك خان الأحمر. علاوة على ذلك، أصبحت الأعمال المخطط لها والمأسسة لعنف المستوطنين بدعم من القوى الأمنية أكثر تكرراً وتدميراً. إن عنف المستوطنين هو أداة فعّالة لطرد الجماعات الفلسطينية من أراضيها، وللتطهير الإثني لمناطق واسعة في المنطقة ج، وعلى سبيل المثال نذكر سكان بلدة عين سامية. هذه الخطوات تحظى بغطاء تاريخي، وهو النضال من أجل "أرض الآباء"، ومن ضمن ذلك استخدام مواقع ومنتزهات وطنية لمصادرة الأراضي.
تعاظم عنف القوى الأمنية إزاء الفلسطينيين: وصل عدد القتلى من الفلسطينيين في الضفة إلى الذروة منذ الانتفاضة الثانية، ويعترف الجيش بأن نصف هؤلاء القتلى لم يكونوا مسلحين، وربعهم من الأطفال. إن اقتحام المنازل ليلاً والاعتقالات العنيفة للأولاد، وتسجيل أكبر عدد من المعتقلين الإداريين خلال الـ20 عاماً الأخيرة، والعنف خلال تحقيقات الشاباك وانتهاك حقوق الأسرى، كل ذلك يؤشر إلى تصاعد العنف في "منظومة العقاب" بالنسبة إلى الفلسطينيين.


إن العنف في غزة هو اللغة الوحيدة، فقد قتلت الهجمات الجوية، مع علم مسبق، أطفالاً وسكاناً، والحصار يضر بكل نواحي الحياة، ويحصد ثمناً دموياً من خلال الأزمة الإنسانية، ويفرض قيوداً على حركة المرضى. يجري كل هذا في الوقت الذي تحظى فيه القوى الأمنية بحصانة بفعل الأمر الواقع بحسب القانون؛ أقل من 1% من الشكاوى ضد عنف الجنود يصل إلى توجيه كتاب اتهام، ولم يُقدَّم كتاب اتهام واحد بعد تقديم 1400 شكوى بشأن عنف الشاباك خلال الـ20 عاماً الأخيرة.


الارتفاع في درجة الهجوم على منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان: من أجل الدفع قدماً بهذا الظلم من دون محاسبة، تعمل الحكومة على إسكات جمعيات حقوق الإنسان الفلسطينية والإسرائيلية. صُنفت جمعيات فلسطينية تدافع عن حقوق الإنسان مؤيدة للإرهاب من طرف الوزير السابق بني غانتس، ولم تنجح دولة إسرائيل في تقديم أدلة مقنعة تثبت ذلك، وبعد فحص شامل، رفضت دول الاتحاد الأوروبي القرار. لكن على الرغم من ذلك، فإن لهذا القرار تداعيات قاسية، لأن مكاتب هذه الجمعيات والعاملين فيها يتعرضون لهجمات دائمة، وقدرتهم على تنفيذ مهماتهم تضررت كثيراً.
لقد شهدنا، كمنظمات إسرائيلية، في الماضي حملات افتراء ومحاولات نزع للشرعية، هدفها المس بنشاطنا، ولقد شهد هذا العام ارتفاعاً في المحاولات لمحاصرة خطواتنا بوسائل قانونية. إن العملية التشريعية الحالية في مراحل متعددة موجهة إلى فرض قيود على قدرتنا على تجنيد الموارد والاستمرار في عملنا، وتفرض قيوداً على الوسائل التي يمكن استخدامها للدفاع عن حقوق الإنسان الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال.


تدرك أجزاء كبيرة من الجمهور اليوم أن الهدف من الانقلاب القضائي هو خدمة سياسة النهب والضم. ومن أجل النضال دفاعاً عن الديمقراطية والمساواة، يجب توحيد القوى والجماعات في البلد وفي الخارج. يدل نجاح النضال المشترك لمنظمات المجتمع المدني في وقف القوانين المعادية للديمقراطية على أنه عندما نعمل معاً نقدر على مواجهة القوة المدمرة لليمين.


نحن نوحد قوانا لأن الوضع يتطلب نضالاً مشتركاً إلى أن تتحقق المساواة الكاملة. يعلّمنا التاريخ أن السكوت ليس ممكناً، وخصوصاً لوقت طويل، وبالإضافة إلى تزايد العنف والضم والطرد والملاحقة، سيتواجد هنا دائماً مجتمع أكبر يواصل مطالبته بإنهاء الظلم الفظيع للاحتلال وللأبارتهايد.


الموقعون: مديرة "عير عميم" يهودت أوبنهايمر؛ مدير "عميق شبيه" ألون أرداد؛ مدير "توراة الحق" أريك أشرمان؛ مديرة "زازيم – حراك شعبي" رلوكا غانور؛ مدير "صوت الضمير للدفاع عن حقوق الإنسان" آفي دوبش؛ مديرا "بماكوم- مخططون دفاعاً عن حقوق التخطيط" كوني هكبرنت وأفرات كوهين –بار؛ مديرة "مسلك- مركز الدفاع عن حرية الحركة" حانيا هاري؛ مديرا "لنكسر الصمت" يعال لوتان وأفنر غبرياهو؛ مديرة "هموكيد- مركز الدفاع عن الفرد" جيسيكا مونتل؛ مدير "صندوق الدفاع عن حقوق الإنسان" عامير متسر؛ مديرا "مقاتلون من أجل السلام" رنا سلمان ويونتان غار؛ مدير "السلام الآن" ليؤور عميحاي؛ مديرة "يش دين" زيف شطهل؛ مدير "اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل" طال شتاينر؛ مدير "أطباء للدفاع عن حقوق الإنسان" غي شيلو؛ ومديرة "أباء ضد اعتقال الأطفال" موريا شالوميت.

*المصدر: نشرة "مختارات من الصحف العبرية"، مؤسسة الدراسات الفلسطينية