دولة الفساد العميقة

وهيب فياض |

استفزتني الحملة المبرمجة، والممنهجة، ضد وزير التربية أكرم شهيّب. وعادت بي بالذاكرة إلى أيام ما قبل الحرب عام 1975. 

لستُ من الحالمين، فأنا واقعيٌ بطبعي، ولكنني ممن يربطون الأمس الذي عشناه باليوم الذي نسي أهله كيف تكون الدولة الراعية، ومن المعتقدِين بأن الدولة هي هذا الوحش الهجين الذي يحكم البلاد والعباد اليوم.

صحيحٌ أن جيلاً ناضل من أجل تحسين أداء الدولة، فحصل على عكس ما كان يتمنى، وأصبح محكوما من دولةٍ لا يغيب عنها الفساد في أي مرفق.

ولكن الصحيح أيضاً أن الجيل الذي كان شاباً عند بدء الحرب، هو الجيل الأكثر حزناً على ما ا?لَ اليه أداء هذه الدولة المارقة. 

أكرم شهيب هو أحد هؤلاء الذين كانوا شباباً مناضلين قبل الحرب المشؤومة. وكان معه ثلةٌ، لمن يتذكر، من أمثاله: أنور الفطايري، وغازي العريضي، وعادل سيور، ووهبة أبو فاعور (والد الوزير وائل)، وكثيرون غيرهم لا يتّسع المجال لذكرهم من ذاك الجيل الحالم آنذاك بالدولة الفاضلة. استطاعوا جميعاً بنضالهم، مع مناضلي بقية الأحزاب ومثقّفي الحركات اليسارية، أن يجعلوا من التعليم الرسمي والجامعة اللبنانية، صروحاً حقيقية للعلم. وهم حقّقوا ذلك بالتظاهر، والإضراب، وبمقارعة أدوات السلطة القمعية، وتحمّل الضرب بالعصي، والرشّ بالماء، والنوم في زنازين المخافر، وبالبيانات النارية ، وتأليب الرأي العام على السلطة لكي تتحقق المطالَب الشعبية. فأثمرَ ذلك جامعةً لبنانية هي جامعة أبناء الفقراء وذوي الدخل المحدود، ومدارسَ رسمية أساتذتها من خرّيجي معاهد دور المعلمين وكلية التربية، وهو الأمر الذي رفعَ مستوى التعليم الرسمي، وجعل المدرسة الرسمية، والجامعة اللبنانية، قبلةَ كل من يريد تعليماً حقيقياً، وشهادات محترمة.

ألا تذكرون كيف كان المتنفذون يتوسطون لإدخال طالبٍ الى ثانوية رمل الظريف، أو إلى مدارس راس النبع، أو برج البراجنة.

ألا تذكرون بأن ثانوية فرن الشباك طغى عليها اسم مديرتها، مدام عون؟ وهي التي جعلتها نجمةً مضيئةً في سماء التعليم الثانوي.

مناضلٌ من جيل شباب ما قبل الحرب يصل الى كرسي وزارة التربية، واسمه أكرم شهيّب، فيفاجأ بأن الوزارة التي حلُم بها عروساً يوم النضال، صارت فضيحةً لكثرة ما تعاقبَ عليها من أبناء معشر السوء على مدى أربعين عاماً أو يزيد .

شهاداتها يداخلنا الشكّ بأنها قد تكون مزوّرة.
ومصاريفها مشكوكٌ في نظافتها.
وهياكلها مشكوكٌ في نزاهتها.
وامتحاناتها مشكوكٌ في مراقبتها ونتائجها.
ومدارسها مشكوكٌ في مصداقيتها.

إنها صورةٌ مصغّرة عن دولة الفساد العميقة، والتي يعاني ذوو الكفاءة، ونظافة الكف، من العاملين فيها، ممن ليسوا فاسدين.

وزيرٌ يعود الى حلبة نضاله ونضال جيله بعد أربعة عقود، فيحاول أن يعيد الوزارة عروساً، وأن يمحوَ من تاريخها الفضيحة، ويعيد اليها ألقها وقيمتها، ولا بد أن يواجه ويجابه، بل ويقاتل بالأيدي العارية، كل مشوّهي سمعة وزارةٍ يُفترض بأنها واحة الأخلاق لمن إذا ذهبت أخلاقهم ذهبوا.

ولكن المفاجئ والمستفز في كل ذلك هو حجم الفساد الذي يستدعي هذا الكم الهائل من الأقلام والألسن والصور، وهو الأمر الذي يُظهر القوة العميقة للدولة الفاسدة.