الجامعة اللبنانية ودور الطلاب

غازي العريضي |

للطلاب دور أساسي في رفع شأن الجامعة اللبنانية وتطويرها وجعلها أم الجامعات في لبنان، على مستوى المناهج والرؤى والأساتذة والتجهيزات والتقنيات والمختبرات، والأبحاث والدراسات والحضور التنافسي مع الجامعات الأساسية في العالم. وهي خرّجت عددا من الطلاب اللامعين الذن هاجروا الى الخارج ولمعوا في مجالات العلوم والطب والهندسة والإدارة والتكنولوجيا واحتلوا مواقع متقدمة يفخر بها العلم ولبنان، وكان آخرهم طبيب العيون الدكتور سليمان ابو لطيف الذي احتل بجدارة مرتبة عالمية متقدمة في اختصاصه في بريطانيا. 
للطلاب دور في ضمان مستقبل الجامعة. فأين هم منه اليوم؟؟

عندما كنا نناضل من أجل جامعة متقدمة يتوفّر فيها العلم لكل أبناء الطبقات الشعبية اللبنانية، كان الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية رافعة مطلبية أساسية يتمتع بدينامية وحيوية استثنائية في الحياة النقابية والسياسية في لبنان. ولطالما كان دوره مقلقاً للسلطات السياسية التي رأى بعضها أن الجامعة اللبنانية تخرّج أعداء للبنان. نعم هذا كلام قيل في مرحلة معينة في مواجهة نضالنا الوطني يوم كان هذا البعض يتهمنا باليسار الدولي، كأن الجامعة كانت فرعاً من فروع هذا اليسار في العالم. كان كرههم لها ولنا لأننا كنا نساهم في تنمية قدراتنا وتعزيز وعينا الوطني السياسي الديموقراطي فالجامعة بالإضافة الى كونها مركز تعليم وتثقيف وتحصيل معرفة وشهادات وتحقيق آمال، كانت مؤئلاً للتفاعل الفكري والسياسي والثقافي بين الطلاب الذين يعكسون مكونات المجتمع اللبناني. بهذا المعنى الجامعة لها فضل كبير علينا ، نحن جيل نشأنا على النضال من أجلها وتعلمنا فيها وأعطتنا أكثر من شهادة في الحياة الوطنيـــة والمهنية. وآخر انتخابات للاتحاد قبل اندلاع الحرب، سبقتها اتصالات شارك فيها كمال جنبلاط وياسر عرفات (نظراً لتأثيره على آخرين وقوى سياسية معينة) وبيار الجميل وكميل شمعون في محاولة للوصول الى اتفاق وتجنّب المعركة. لم ننجح. كانت المعركة. ودخلنا فيها بتحالف القوى الديموقراطية على أساس برنامج واضح وتوزيع مقاعد حسب حضور القوى السياسية في هذه الكلية أو تلك وربحنا.

كنا نختلف فيما بيننا ونتسابق في مجالس الفروع لتحقيق خدمات للطلاب، وتحسين أوضاعهم الدراسية ، وتعزيز إمكانات الكليات والمعاهد لتطوير مستوى التعليم وفتح آفاق العلم والمعرفة والبحث أمامنا كطلاب. ولم يكن ثمة تمييز بين فريق وآخر في الجامعة لناحية المطالب أو المكاسب. هي الجامعة الوطنية الحاضنة لنا جميعاً. وكان الانقسام السياسي عميقاً وقد وصلنا معه الى الحرب وشهدنا ما خلّفته. ومع ذلك كان تطلعنا المطلبي ونضالنا وتنافسنا من أجل كل طلاب لبنان وليس لمصـــلحة فـــريق نمثله!!

المؤلم، أننا دخلنا الحرب. توقفت مع اتفاق الطائف. نحن كفريق استلمنا السلطة. لنكن صريحين وواضحين. لم نكن ولسنا اليوم عل مستوى المسؤولية تجاه الجامعة رغم البناء الحديث الذي أنجز في الحدث، وموقع كليات نعتز به وبعدد من الأساتذة. عندما كانت الإدارة السورية للبنان تقرّر كل شيئ، تمّ دمج كل القوى في الحكومــات والنقابات. لم يعد ثمة حركة مطلبية سياسية وازنة في البلاد. أخذتنا السلطة . وساهمنا بطريقة أو بأخرى في تدجين الحركة الطلابية رغم محاولات من وقت لآخر وصرخات نطلقها لتحسين واقع الجامعة وتفعيل دور هذه الحركة. خرجت سوريا من لبنان. واستمر التعاطي السياسي والنقابي على الطريقة ذاتها . كنت في تلك المرحلة ولا أزال أعبّر عن عدم اقتناعي بالتحالفات التي كانت قائمة. إذ لا معنى لتحالفات تحمل كل التناقضات. هنا نتحالف مع هذا الفريق . وهناك مع خصمه . وهنالك مع خصمنا دون أي برنامج أو قاعدة، ثم نعبّر عن اغتباط كبير بأننا ربحنا موقعاً في مجلس فرع ما في كلية من الكليات. كنت دائماً أقول: ما قيمة أن نربح مقعداً من 15 أو 20 مقعداً في مجلس ونخسر الكلية ؟؟ بمعنى نخسر دورنا، نخسر إمكانية تطوير الكلية على مستوى المناهج وتحسين الأداء والإدارة ورفع مستوى التعليم فيها وتأمين المستلزمات الضــــرورية لذلك!!

لست هنا لأعيش مرحلة حنين الى الماضي وإن كان ذلك جميلاً حيث لم نكن في السلطة وكان أداؤنا أفضل وأقوى وأثبت وأركز سياسياً وحققنا مكاسب كثيرة فلا يجوز أن نرى الجامعة في واقعها الحالي، ونرى أنفسنا كقوى سياسية وطنية مسؤولة عن أمانة الحلم الكبير دون المستوى المطلوب في مقاربة الأمور لمعالجة مشاكل الجامعة وضمان مصالح الطلاب فيها حاضراً ومستقبلاً .

إننا مطالبون وقبل فوات الأوان بمراجعة نقدية ذاتية شجاعة، واتخاذ الخطوات المطلوبة ، لنحفظ الجامعة ونكرّس دورها وموقعها. هي الحاضنة لنا، المساهمة في تكوين وعينا وترجمته والتعبير عنه في عملنا السياسي والنقابي والمطلبي، من خلال التفاعل والنقاش بين بعضنا البعض كطلاب ننتمي الى جامعة واحدة يجب أن تكون صورة عن لبنان الواحد الذي نطمح إليه. 

من الطبيعي أن يقال: إن واقع الجامعة وغيرها من المؤسسات، هو انعكاس للواقع السياسي في لبنان. لمستوى العمل السياسي والمسؤولية السياسية والقيادة السياسية. هذا العمل الخالي من الأفكار والبرامج والرؤى والقائم على تحقيق المكاسب الآنية المذهبية الطائفية والبعيد كل البعد عن مقاربة الأمور الوطنية وكيفية إدارة شؤون الدولة بما يحقق للبنانيين آمالهم وطموحاتهم. المسؤولية تقع علينا في الأحزاب السياسية للبدء بهذه المراجعة. وتقع على الطلاب بأخذ الأمور بجدية أكبر وحرية أوسع لا التسليم بالأمر الواقع. إذا كنا قد وصلنا الى السلطة فبفضل تضحيات كبيرة نحن مؤتمنون عليها. ولا تصان الأمانة بالتفريط بها أو الإساءة إليها أو بتبديد الإنجازات التي تحققت وتهديد الأحلام التي لا نزال نعيشها كما يجري اليوم. 

آن الأوان لتنطلق هذه المراجعة على قاعدة هذه الثوابت من الجامعة اللبنانية، رئاسة وإدارة ومسؤولين وأساتذة وطلاباً وقوى سياسية !!