العروبة في الهلال الخصيب

في القرن السابع الميلادي حصلت تجاذبات كبيرة، وحروب في منطقة الهلال الخصيب العربية، وكان أبرز هذه الأحداث؛ احتلال الإمبراطورية الشاهنشاهية الساسانية بلاد الشام، وصولاً الى مدينة صور اللبنانية التي كانت لفترة قاعدة أساسية استخدمها الساسانيون، وكان أن حصل الرد الإسلامي العربي، وتراجع الساسانيون، ولحق بهم العرب إلى بلاد فارس التي رحبت بالإسلام، واعتنقت أغلبية الشعب الديانة الإسلامية الفضيلة. ومنذ ذلك الوقت حصلت أحداث وتطورات، كان فيها التعاون أحياناً، والحروب أحياناً، أُخرى.
ولكن لم تُغير تلك التطورات عبر الزمن الغابر من طبيعة المنطقة، ولا من ولاء شعوبها، خصوصاً في منطقة الهلال الخصيب التي بقيت عربية رغم مرور الغزوات المتلاحقة، من بيزنطية، ورومية، وعثمانية، ومن قوى الاستعمار الأوروبية لاحقاً.

من المؤكد أن العروبة في تلك البقعة المترامية التي تمتد من الهضاب الغربية الإيرانية شرقاً، الى الشواطئ المتوسطية غرباً؛ لا تعيش أفضل أيامها، وهي تتعرَّض لهجمات قاسية ومؤلمة منذ فترة طويلة، وغدت الصورة في تلك المنطقة العربية الأصيلة مُغبرَّة، وتُشبهُ اللوحة الفنية الملونة بالزيتيات القاتمة التي عادة ما ينقصها تظهير للأُفق. ومع هذه الصورة تتزايد الصعوبات السياسية أمام شعوب المنطقة، خصوصاً في العراق وسوريا ولبنان. كما يزداد معها القلق عند الناس الذين يعيشون اضطرابات قاسية، ذاقوا معها ويلات الحروب، والتشرُّد، وكانوا وقوداً لحروب غريبة عجيبة، كأنما كانت «غِب الطلب» لتنفيذ أجندات أجنبية بعيدة، أو قريبة، استفادت منها القوى الإقليمية والدولية الكبرى - خصوصاً «إسرائيل» - على حساب النفوذ العربي.

وبين موجات المد والجزر وسط بحر الهياج الإقليمي المُخيف؛ تتعامى دول إقليمية كبرى عن خرائط الجغرافيا، وتتجاهل ثوابت التاريخ، وتتصرَّف كأنها إمبراطوريات عقائدية، أكثر مما تتصرف كأنها دول أعضاء في مجموعة دولية يحكمها ميثاق يمنع أي شكل من أشكال التدخُّل في الشؤون الداخلية للدول الأُخرى. وتلك التجارب العدوانية التي حكمت السياسة «الإسرائيلية» على مدى عقود طويلة؛ تعتمدها بعض الدول الأخرى الجارة التي نفترضها أن تكون عضداً للأخوة الإسلامية، وصديقة للعرب الأوفياء على مرّ التاريخ.

إن التمعّن في الوضع بالعراق يبعث على الخشية من تراجع الفكرة العربية الى الحدود الدّنيا، وبات تقسيم المكونات الاجتماعية للسكان يعتمد على تسميات غريبة شجَّعت على استخدامها القوات الأمريكية إبان احتلالها للبلاد عام 2003، وعملت قوى أخرى باسم «أخوة المذهب» على تكريس هذه التسميات في أدبيّاتها، لأنها تُساهم في ضرب الفكرة العربية، وتقزيمها مع الزمن. وبالتالي فقد تمَّ تصنيف الشعب العراقي الذي كان في طليعة الامتداد العربي؛ على أنه مجموعات مؤلفة من: «العرب الشيعة»، و«العرب السُنة»، والأكراد، والأقليات الآشورية والكلدانية والأيزيدية، برغم أن الشعب العراقي بأغلبيته عربي - خصوصاً الشيعة والسنة - والأكراد والأيزيديين يعيشون في كنف العروبة السمحاء منذ قرون عدة. فضلاً عن وجود تدخلات سياسية وأمنية هائلة في العراق من قبل جيرانه؛ ليست بطبيعة الحال في مصلحة العرب.

أما في سوريا التي كانت توصف «بقلب العروبة النابض» فالمخاوف على مستقبل العروبة اليوم أكثر من أي وقت مضى، ذلك أن الأحداث الأليمة التي دمرت أغلبية البلاد، وهجَّرت ما يقارب نصف السكان؛ أرخت بظلال واهية على الخريطة السياسية للدولة، وحاصرت الثقافة القومية العالية التي يتمتع بها الشعب السوري، ومستقبل الدولة برمتها على المحكّ، لأن تأثير الميليشيات الإرهابية المدعومة من قوى إقليمية ودولية، أكثر من تأثير الدولة في بعض المناطق، وأغلبية هذه الميليشيات لا تُعير أي اهتمامٍ للعروبة. كما أن النفوذ الأجنبي على الدولة، والانتشار العسكري الغريب (الروسي والتركي والأمريكي والإيراني) في عدد من المناطق؛ كل ذلك يُضرّ بالانتماء العربي لسوريا.

وفي لبنان الذي تحمَّل الكثير من العدوان «الإسرائيلي» المستمر، ومن التفلّت الميليشياوي ؛ يبدو جلياً أنه جزء من الهلال الذي تتعرض فيه العروبة للأخطار. كما أن مستوى التعبئة القومية العربية التي تميَّزت بها بيروت عبر عشرات السنين؛ آخذةً بالتآكل، ما يؤكد أن العروبة في كامل الهلال الخصيب في خطر.