المرحلة الإنتقالية في الجزائر لا تزال على صخبها... ودعوات لرحيل أركان النظام

فوزي أبو ذياب |


بشعاراتٍ ولافتاتٍ كُتب عليها، "إرحلوا جميعا"، و"نريد شخصياتٍ جديدة"، و"بن صالح إرحل"، ردّ الجزائريون على خطاب الرئيس المؤقّت عبد القادر بن صالح، والذي دعا فيه، "الطبقة السياسية، والمجتمع المدني، والشخصيات الوطنية الغيورة على وطنها ومصيره، إلى اختيار سبيل الحوار وصولاً إلى مسارٍ توافقي على الانتخابات الرئاسية، والذي ستعكف الدولة على تنظيمه في أقرب الآجال". جرى ذلك بعدما ألغى المجلس الدستوري الموعد الذي كان مقرراً في الرابع من تموز المقبل.

    بن صالح، الذي انتخبه البرلمان ليشغل منصب الرئيس المؤقت لمدة 90 يوماً تجري خلالها الانتخابات الرئاسية، وذلك وفق المادة 103 من الدستور الجزائري، قال: "إن دقّة الوضع الراهن تلزمني الاستمرار بتحمّل المسؤولية حتى انتخاب رئيسٍ للبلاد"، ما أثار غضب المحتجين الذين يطالبون برحيله، ورحيل رموز النظام السابق، وهم الذين احتشدوا بالآلاف في تظاهرات الجمعة السادسة عشرة مجدّدين المطالبة برحيل "الباءات الثلاث"، وبرحيل بن صالح نفسه، ورافضين تمديد ولايته الرئاسية.

فبعد صلاة الجمعة، وعلى الرغم من الانتشار المكثّف لعناصر الشرطة في ساحات البريد المركزي، وفي الشوارع الكبرى وسط العاصمة الجزائرية، تمكّن آلاف المحتجّين من التجمّع للمشاركة في التظاهرة الكبرى التي اعتاد الجزائريون تنظيمها كل أسبوع منذ 22 شباط 2019، والتي قالت وسائل إعلام دولية بأنها الأكبر بعد الجمعة السادسة في 6 نيسان الفائت، أي إثر تنحي الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة. ردّ المحتجّون برفض الدعوة للحوار، ورفعوا شعارات، "لا للانتخابات يا العصابات"، و"بن صالح إرحل"، و"قايد صالح إرحل"، وذلك في إشارة إلى رئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح، والذي أصبح بحكم الواقع الرجل القوي في الدولة منذ استقالة بوتفليقة.

هذه التظاهرة تُعتبر الأولى منذ تأجيل الانتخابات الرئاسية بقرارٍ من المجلس الدستوري، [والذي يُعتبر] "أعلى هيئةٍ قانونية في البلاد"، والذي أعلن "استحالة " إجراء الانتخابات الرئاسية في الموعد المقرر لها، في الرابع من تموز المقبل. ودعت [التظاهرة] إلى ضرورة، "تهيئة الظروف الملائمة لتنظيم الانتخابات، وإحاطتها بالشفافية والحياد لأجل الحفاظ على المؤسّسات الدستورية التي تمكّن من تحقيق تطلعات الشعب السيّد".
    قرار المجلس، وعلى الرغم من تمديده ولاية الرئيس المؤقت، طرح إشكالية بقاء الرئيس الانتقالي في منصبه إلى أجل غير محدّد، وذلك في الوقت الذي حدّد الدستور ولايته بتسعين يوماً منذ استلام مهامه في التاسع من نيسان، لكن لا يوجد رئيس يستلم منه السلطة.
    سيّما وأن الشارع الجزائري جدّد رفضه إجراء الانتخابات في ظل وجود أركان النظام السابق في الحكم، مؤكّداً رفضه التمديد لبن صالح، ومجدِّداً دعوته لرحيل، "الباءات الثلاث" (عبد القادر بن صالح، ونور الدين بدوي، والطيب بلعيز). هذا في الوقت الذي جدّد فيه الجيش الجزائري تمسّكه بالدستور لحل الأزمة السياسية، ومستبعِداً أي خيار مخالفٍ لذلك، بما فيه خيار "المرحلة الانتقالية"  المؤقتة، وهو الأمر الذي يعيد الأزمة إلى مربّعها الأول، ويدفع نحو إطالتها. وأوردت مجلة "الجيش" الناطقة باسم المؤسسة العسكرية في الجزائر، وغداة الدعوة التي وجّهها بن صالح إلى حوارٍ وطني وصولاً إلى توافقٍ على تنظيم انتخابات رئاسية، في افتتاحية عددها لشهر حزيران، أن "مصلحة الوطن تقتضي في مثل هذه الأزمة المعقّدة انتهاج أسلوب الحوار الجاد، والمثمر، والبنّاء للإسراع في إيجاد الحلول الملائمة التي تجنّب بلادنا الدخول في متاهات من شأنها أن تزيد الوضع تعقيداً، وتقطع الطريق نهائياً أمام مرحلة انتقالية لا يمكن إلّا أن تفرز وضعاً يصعب التحكم فيه".

 أما "المرحلة الانتقالية" التي تتداول بها النُخب الثقافية، والشخصيات السياسية والعسكرية، وتعتبرها الأحزاب وقوى المعارضة وتيارات المجتمع المدني والنقابات، مخرجاً ضرورياً لتجاوز الأزمة الراهنة في الجزائر، ومع إعلان الجيش رفضه لها واتّهامه المطالبين بها، "بمحاولة الزجّ بالبلاد في أتون الفوضى والاختلال"، فقد أعادت شبح ما حدث في السودان، وكذلك صور العنف التي تداولتها وسائل التواصل الاجتماعي لعملية فض الاعتصام السلمي في الخرطوم، [ليخيّم] على الأجواء العامة في الجزائر، [وهكذا] ارتفع منسوب القلق والخوف على الحراك السلمي من أن يلقى المصير ذاته.
     في هذا السياق المعقّد رأى مراقبون يتابعون الأزمة الجزائرية، بأنه، "لا يجوز لبن صالح، دستورياً، الاستمرار في الحكم على اعتبار أنه كان مكلّفاً بتنظيم الانتخابات. وبما أن المجلس الدستوري صرّح باستحالة تنظيمها، فعليه أن يستقيل، كما أن الحكومة التي كانت مهمتها، "تصريف الأعمال وتوفير ظروف تنظيم الانتخابات"، وفق رأي المراقبين الذين يوضحون بأن، "مطلب الحراك ليس رفض إجراء الانتخابات في 4 تموز، وإنما رفض إشراف رموز النظام عليها، وهو ما يضع الموعد المقبل على المحك".
    لذا، شدّد تعليل المجلس الدستوري لأسباب "استحالة" إجراء الانتخابات، ودعوته إلى "تهيئة الظروف الملائمة لتنظيم الانتخابات، وإحاطتها بالشفافية والحياد"، وربطاً مع ما أشار إليه الرئيس المؤقّت في كلمته، على "أهمية تنصيب لجنةَ تنظيم ومراقبة للإشراف على الرئاسيات، وذلك وفق ما يطالب به الشعب والطبقة السياسية بغية ضمان النزاهة والصدقية".
    يرى بعض المراقبين إمكانية الولوج الى مسار يُخرج الأزمة الجزائرية من حلقتها المفرغة، و"لا يكسر الدستور، ولا يخيب آمال الجزائريين المحتجّين". وذلك يتطلب، "سحب العملية الانتخابية من عهدة وزارة الداخلية، وتشكيل سلطة وطنية لها صلاحيات التنظيم، ووضع آليات تضمن نزاهة الاستحقاق".
    وإذ يعتبر المراقبون أن، "تشكيل هيئةٍ مستقلة لتنظيم الانتخابات، ومراقبتها، والإشراف عليها، هو أكبر نجاح للحراك وللجزائر"، وبحيث يفرز ذلك، "رئيساً حقيقياً، غير منقوصٍ أو مطعونٍ في مصداقيته، وهو ما تبحث عنه الجزائر منذ الاستقلال"، سيّما وأن، "الخطاب الأخير لبن صالح كشف ضمنياً عن هذه الهيئة، من خلال إشارته وتكراره لضرورة التوصّل إلى انتخابات حرة ونزيهة وشفافة".
    ويعتقد المراقبون أن، "استحالة تنفيذ الانتخابات" في موعدها السابق، أي وفق ما أشار إليه قرار المجلس الدستوري، يستدعي أن يتحمل مسؤوليتها رئيس الحكومة، وزير الداخلية السابق، نور الدين بدوي، وذلك من خلال استقالته أو إقالته. [يهدف ذلك] إلى تهدئة الشارع أولاً، وبحيث يكون الرجل الثاني الذي يتنحى من الباءات الثلاث - أي بعد استقالة بلعيد من الجبهة الوطنية - الذين يطالب الجزائريون برحيلهم، وهو ما يهيئ الأجواء الإيجابية لانطلاق ورشة التحضير للانتخابات بشكل هادئ. ويجب أن يترافق ذلك مع دعوة بن صالح لتشكيل الهيئة الوطنية المستقلة لتنظيم الانتخابات، واستدعاء الهيئة الناخبة من جديد، والإعلان عن موعدٍ لإجراء الانتخابات الرئاسية، في مهلةٍ بين الستة الى ثمانية أشهر.

    إن وضع الآليات الضامنة لنزاهة الانتخابات، تُعتبر من أهم الخطوات الإصلاحية التي تعيد ثقة الجزائريين بدولتهم. فأزمة العشرية السوداء كانت نتيجة رفض السلطة لنتائج الانتخابات التي أوصلت غالبية الإسلاميين الى البرلمان. أما أزمة الأسابيع الستة عشر الحالية، فتتلخص برفض الشارع الجزائري استغلال السلطة للاستحقاق الانتخابي، وتشريع ديمومة سيطرتها على النظام، وتمرير صفقات الفساد فيه، وذلك في الوقت الذي زاد فيه وعي الجزائريين لمصالحهم الوطنية، ولحقّهم في قيام دولة نزيهة عادلة تعيد توزيع الثروة، وتوفّر الحقوق الاجتماعية، وفرص العمل للجميع، وتحد من تفشي ظاهرة الجهل والفقر في الجزائر، وتؤمّن حقوق الانسان، وتصون حرية الرأي والتعبير، وتعيد مكانة الجزائر بين الدول الافريقي والدول العربية. وهذا لا يتحقّق الّا بإجراء انتخابات حرة ونزيهة تحمي التنوع الجزائري في وحدة وطنية، ودولة عصرية تلتزم الديمقراطية، وتصون حرية وكرامة الإنسان.