من طرابلس الى شبعا فعين دارة والشراونة... من خلف كل هذا الجنون؟

ربيع سرجون |

يبدو لبنان وكأنه قد تحول إلى جمهورية انفصام وجنون. قبل أسبوع بالتمام، كانت وسائل الإعلام بنقلها المباشر تتقاطر إلى مدينة طرابلس لتغطية الإعتداء الإرهابي الذي استهدف المدينة. تعالت الأصوات والصرخات المنددة بهذه العملية الإرهابية، وكان الهواء مفتوحاً لإدانة الإرهاب، وإن كان الكلام حق، لكن المراد من خلفه كان باطلاً عبر التصويب على طرابلس ووصفها مع بيئتها الشعبية بالحاضنة للإرهاب، وفي الحسابات السياسية البعيدة المدى، كانت الغاية من هذه الضغوط، هي الإستثمار في ضعف السنية السياسية وإبتزازها لتقديم المزيد من التنازلات. فتركز الهجوم السياسي على القيادات السنية.

 

بالأمس، شهد لبنان أكثر من عملية أمنية أيضاً ترقى إلى مستوى الإرهاب. والإرهاب في مفهومه العام، هو أي فعل تقدم عليه جهة معينة يؤدي إلى إرهاب المواطنين واستهداف أرواح الأبرياء. بلدة شبعا الحدودية الجنوبية، والواقعة على مثلّث استراتيجي (لبنان، فلسطين المحتلة وسوريا) ما يجعلها منطقة حساسة، قد أُرِّقَ ليلها بعملية اغتيال القيادي في الجماعة الإسلامية محمد قسام جرار، لم تكد وسائل الإعلام تأتي على ذكر هذه العملية التي استهدف حياة هذا الرجل، ولم يفتح الهواء لمتابعة العملية التي أقلقت أهالي البلدة وأرعبتهم. هذا بمعزل عن التفاصيل الأمنية والتقنية لمعرفة ملابسات العملية وكشف خلفياتها، إذ أن التحقيقات اللازمة قد بدأت من قبل الأجهزة الأمنية.

 

ومن الجنوب إلى الجبل، حيث تعرّض أهالي عين دارة لإطلاق نار من قبل مسلحين تابعين لشركة ترابة الأرز، وهذا أيضاً يندرج في خانة العمل الإرهابي الهادف إلى ترهيب المواطنين الرافضين لإقامة المعمل وعمله وتأثيراته السلبية بيئياً وصحياً على أبناء المنطقة، ناهيك عن الحسابات السياسية والمالية التي تقف خلف المعمل وتصرّ على تشغيله على حساب المواطنين وصحتهم. وأيضاً غابت وسائل الإعلام والنقل المباشر ومواقف الشجب والإستنكار عن تلك الحادثة، وكأن عين دارة منطقة خارجة عن نطاق إهتمامات أصحاب الحمية.

 

وليس بعيداً عن الجبل، باتجاه الشمالي الشرقي نحو بعلبك التي شهدت إشتباكات عنيفة استمرت لساعات بين الجيش اللبناني ومسلحين من المنطقة على خلفية مداهمات كان ينفذها الجيش، وقد سقط بنتيجة هذه الإشتباكات جرحى للجيش اللبناني، لكن أيضاً غابت وسائل الإعلام والتصريحات السياسية للمسؤولين عن هذا الحادث، فيما حصل في ساعات الليل إتفاق على التهدئة ووقف إطلاق النار، برعاية بعض القوى السياسية، وكأن الإتفاق حصل بين دولتين مجاورتين.

 

بلا شك أن هذا الإنفصام اللبناني، يفتح الأبواب أمام تعميم الجنون السياسي والإجتماعي، لكن أخطر ما في هذه المراحل، أنها تتعدى خطورة مبدأ الأمن بالتراضي، ليتم تكريس معادلة جديدة يصح وصفها بأنها معادلة "التعاطي مع المشاكل التي تهدد حياة المواطنين باستنسابية ووفق ما يتلاءم مع المصالح السياسية لبعض القوى التي على ما يبدو أنها قادرة على تحريك جحافل أمنية وسياسية وإعلامية بكبسة زرّ، ليظهر وكأن البلد يدار "بالريموت كونترول".