حافِظ على القلب يا دولة الرئيس.. ونحنُ نتكفلُ بالأطراف

وائل ضو |

بعد ثلاثة عقود على انتهاء الحرب اللبنانية، وإبرام اتفاقية وثيقة الوفاق الوطني، "الطائف"، في العام 1989؛ وبعد أربعة عهودٍ رئاسية تخلّلها بعض الشغور والإنقطاع، وبعد ستة مجالس نيابية مُتواصلة بما حملته من تمديدٍ لأسباب غير كافية وموجبة، وثماني عشرة حكومة، أبرزها حكومات الرئيس الشهيد رفيق الحريري... لا زال لبنان يعيشُ مخاضَ تجربةٍ فاشلة، مُملةٍ ورتيبة، لولادة الدولة، والشعب ينتظر قيامها، ليس إكراماً للأحياء فيه وحسب، إنما وفاءً وتقديراً لمن دفع حياته لأجلها.

تتشابك الحقائق وتتناقض، ويرتبكُ المواطن بين كثرتها وتعدُّدها، فالحقيقة الأولى، الأكثر شيوعاً وإدراكاً للجميع، تعكسُ حالة الإهتراء والإنحلال المُسيطرة على مفاصل الدولة. والحقيقة الثابتة التي تليها، وتُساويها أهمية وآلاماً، أن لا قيام للدولة في ظل اعوجاج، وارتباك، وانتهازية فكر وسلوك أهل الحُكم فيها. أما الحقائق التي تأتي بعدها، فهي نسبية ومُتفاوتة، فلِكُل فريقٍ وجمهوره حقيقة تنسجمُ مع مصالحه ورؤيته وأهدافه ومشروعه.
    

لإرادتهم أن تُحقّق غاياتهم. ولَم يكُن لاتفاق الأخوة في معراب أية نتائج إيجابية عامة، بل كرّس تفوُّق فريقٍ سياسيٍ بعيد عن الميثاقية على آخر أكثر قبولاً والتزاماً بالتعايش مع الآخر. ولم تأتِ التسوية الرئاسية بين المُستقبلِ والتيار الوطني "الحُر"، إلا لمصلحة الأخير، والتي أكّدتهُ لاعباً أساسياً هاماً ومؤثراً على الساحة المحلية، ماسكاً بخيوط اللعبة السياسية الداخلية والخارجية، وبالتنسيق المُستتر حيناً، والمُعلن أحياناً، مع حزب الله.

في الحقائق الثلاث أعلاه ثابتتان أساسيّتان. الأولى: انتصار فريقٍ وخطٍ ونهج رغم تباين مُفرداته وعناوينه. والثاني: انهزام آخر برغمِ انسجامه، وتقارب أفكاره وأهدافه. لهذا، لا يصُحُّ بعد اليوم لتيّار "المُستقبل" أن يُجانب الحقيقة، وأن يخوض معارك جانبية مُفتعلة، وغير مُحقّة وعادلة، وليست بالأهمية والضرورة، ليُحقّق من خلالها مكاسب وهمية، ويعمل على إيهام جمهوره القلِق والمُترقّب، بأنه لا زال حاضراً، وفاعلاً، ومؤثراً، وقادراً على المواجهة والثأر، حتى ولو كان ذلك مع الأصدقاء والحلفاء التاريخيين، وليس مع ناهشي أجزائه.

القلبُ والعامود الفقري في الجسد يفوق الأطراف بمئات الأضعاف أهميةً ودوراً يا دولة الرئيس سعد الحريري... حافِظ على ما هو أكثر أهمية، ونحنُ نتكفّلُ بالمحافظة على الأطراف، حتى ولو كانت على حسابنا. حينها تُصبحُ "شحيم" البلدة الهانئة تفصيلاً في العلاقة بين الأخ وأخيه، وليست فوزاً لا يُعادل حُفنةً من النكسات المُتلاحقة.