تخطي الحدود في العلاقات بين الدول

لا يبدو أن الكثير من الدول العربية راضية عن سياسة الدول الكبرى تجاه المنطقة، والتجارب مع القوى العظمى كانت مُخيبة للآمال في أكثر من مناسبة، ومصالح هذه القوى هي التي تفرض عناوين سياستها والأوليات لديها. أما مصالح «الأصدقاء» وأمنهم، فتأتي في الدرجة الثانية، إن لم يكُن في الدرجة الأخيرة. إلا أن تخطي الحدود، والتجاوزات التي ترتكبها بعض الدول الإقليمية تساعد في إنقاذ سمعة القوى الكبرى، وتدفع العرب إلى التمسُّك بالصداقات الخارجية من جراء ظلم ذوي القربي.
يعرف الجميع أن للولايات المتحدة مصالح استراتيجية في الشرق الأوسط، كما في كل أنحاء العالم، واندفاعتها العسكرية الأخيرة في المنطقة مرتبطة بطبيعة الحال بحماية هذه المصالح. وحسابات وقوع الحرب بينها وبين إيران تخضع لمعادلات استراتيجية متعددة. وقد يهدف التوتر القائم إلى تحضير ترتيبات يجري تحضيرها من تحت الطاولة في العراق وغيره، كما قد يكون جزءاً من أهداف الحصار على إيران؛ إرسال تحذير إلى الصين التي تعتمد على الصادرات النفطية الإيرانية، ولا سيما بعد أن ظهر الخلاف التجاري بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين إلى العلن من جراء العقوبات التي فرضتها واشنطن على شركة هواوي للهواتف الذكية.
لكن كل هذه الفرضيات أو تلك لا تُبرِّر تجاوز إيران كل المعايير والحدود بين الدول بشكلٍ عام، ومع الدول العربية والخليجية على وجه التحديد. وهذه التجاوزات تُعطي مشروعية لهذه الدول العربية لتمتين صداقاتها الدولية، والبحث عن صداقات جديدة يمكن أن تُساعدها في الحدّ من الاندفاعة الإيرانية المتهورة، والتي وصلت إلى حد تهديد الأمن القومي العربي برمته.
لا تبدو الدول العربية بحالة استنفار للتحضير لحرب مع إيران، والقمم الثلاث التي عقدت في مكة المكرمة بناء على دعوة من المملكة العربية السعودية؛ ليست في سياق خطة حربية، ولكنها بطبيعة الحال ليست من أجل تقديم الثناء لإيران على تجاوزاتها غير المحدودة، والتي أصابت بعض هذه الدول بأضرار موصوفة.
وعلى سبيل المثال لا الحصر: طال الأذى الإيراني دولاً عربية متعددة، منها العراق وسوريا ولبنان والساحة الفلسطينية، إضافةً إلى اليمن، ومن اليمن امتدت مخالب الشر إلى الدول العربية الخليجية كافة، والأذى طال البنية السوسيو بوليتيكية لهذه الدول، كما طال الأمن القومي العربي برمته. وكل ذلك حصل تحت شعاراتٍ واهية، فيها مزايدة سياسية وعقائدية «مغشوشة» على قضية فلسطين العادلة، وعلى الحرص على مصالح المسلمين.
التطورات الأخيرة المتسارعة في اليمن وفي مياه الخليج العربي، والناتجة عن الاعتداءات المباشرة على السفن التجارية وعلى محطات ضخ النفط، فاقت في صلافتها كل الحدود.
بعض التصريحات الإيرانية التي تُعلن الحرص على العلاقة مع الجيران العرب؛ لم تعُد تنطلي على أحد، ذلك أن الممارسات على الأرض شيء، والشعارات الإعلامية شيء آخر. وقد ولَّدت هذه الازدواجية شيئاً من الحقد في الأوساط الشعبية العربية تجاه السياسة الرسمية الإيرانية، وبطبيعة الحال؛ فإن «إسرائيل» تستفيد من هذه المقاربة القاتلة.
الحرب ليست في مصلحة أحد، وهي تستقدِم الدمار والخراب والتفرِقة، ولن ينتصر فيها أي طرف - خصوصاً من دول المنطقة - على عكس الذين يأتون من بعيد، ويمكن لهم أن يغادروا عندما تنتهي الحرب، تاركين وراءهم الويلات من دون أن تمس هذه الويلات أراضيهم أو مُدنهم البعيدة. وهذه المعادلة تفرض على دول المنطقة - وعلى وجه التحديد إيران - اعتماد الواقعية في التعاطي مع جيرانها. واقعية تفرض بالدرجة الأولى عدم التدخُّل في الشؤون الداخلية للدول المجاورة، والكف عن تهديد استقرار هذه الدول. واللجوء بالفعل إلى حوار جدي على قاعدة الاحترام المتبادل، وتقدير مشاعر الجيرة العربية بدل استفزاز هذه المشاعر.
عبر التاريخ كان تخطي الحدود في العلاقات بين الدول سبباً للتوتر والحروب، على أمل أن يستفيد بعض جيران العرب من هذه التجارب، ويُجنّبوا شعوبهم ويلات الانزلاقات الخطيرة المؤذية.