وزراء الدولــة في لبنان

بسام الحلبي |

الجمهورية اللبنانية الهجينة، التي لا تأخذ من الديمقراطية إلاّ اسمها - وتمارسها بالوسائل الإستبدادية، وتكمّ الأفواه، وتزج في السجون كل من يتعرّض للعائلة الحاكمة، أو دامادها (الداماد هو لقبٌ يُطلق على من تزوج من إحدى بنات أسرة السلطان العثماني) - تتابع مسارها في تهزيل اللعبة الديمقراطية بكيفية تعاطيها مع تشكيل الحكومات. فأخذت نظام وزراء الدولة، وهو نظامٌ معروفٌ في النُظم البرلمانية العريقة في ممارسة النظام الديمقراطي، ونظامٌ تلجأ اليه حكومة الحزب الحاكم عندما تكون بحاجة الى رأي، أو وجهة نظر مبدئية من حكيمٍ من حكماء السياسة، وهو الذي لا تحتاج منه الحكومة إلّا إلى الرأي، أو المشاركة في اتّخاذ القرارت الكبرى التي تتناول الوطن. أو إذا كانت مهام وزارة معيّنة بحاجة إلى من يساعد الوزير المسندة اليه حقيبتها بحاجةٍ إلى من يقوم معه ببعض هذه المهام، أو حتى إلى مهمةٍ محددة بعينها، فيسمى وزير دولة تسندُ اليه هذه المهام، كما يسمّى في غالبية الأحيان وزيراً بلا حقيبة. 

توضيحاً لأهمية منصب وزير الدولة، أورد هذه الواقعة التاريخية الثابتة صوتاً وصورة. في سنة 1967، وفي مثل أيامنا هذه، وتحديداً بتاريخ 22 أيار، عقدَ الرئيس جمال عبد الناصر، على أثر سحب القوات الدولية من شرم الشيخ، وإقفال مضيق تيران الذي هو المدخل الى خليج العقبة، ومنع السفن الإسرائيلية من عبوره، كون المضيق أصبح على مرمى سلاح مدفعية الجمهورية العربية المتحدة، والتي حلّت في شرم الشيخ مكان القوة الدولية، وهو الأمر الذي أدّى الى نشوء أزمةٍ إقليمية ودولية، وإلى رفع نسبة فُرص اندلاع الحرب بين الجمهورية العرية المتحدة في حينه، مصر اليوم، وإسرائيل. وكانت الدول العظمى جميعها تتواصل مع الرئيس عبد الناصر طالبةً منه عدم البدء بالقتال. وفي خضم الأزمة عقد الرئيس مؤتمراً صحافياً لوكالات الأنباء العالمية لإعطاء وجهة نظره في الأزمة، وفي إمكانية اندلاع الحرب. وقد اعتبر الرئيس عبد الناصر، ورداً على سؤال أحد المندوبين، أنّ تخليّ ليفي أشكول، رئيس الوزراء العمالي عن حقيبة الدفاع التي يحملها، إضافة إلى رئاسة الحكومة، لصالح موشيه ديان هو المؤشر الأول. أما المؤشّر الثاني فكان أنّ الحكومة الإسرائيلية عيّنت النائب المعارض حاييم موشي شابيرا وزيراً بلا حقيبة، وهو رئيس الحزب الوطني القومي المنشق عن حزب العمل الحاكم في سنة 1956، وذلك لأنه كان يعارض حلّ مشكلة تيران بالقوة والحرب. أكّد الرئيس عبد الناصر أنّ تعيين هذا المعارض وزيراً بلا حقيبة هو المؤشر بأنّ الحكومة ستتخذ قرارات مصيرية على مستوى كيان إسرائيل كدولة.

أما في لبنان فإنّ وزارة الدولة، والتي يمكن تسميتها وزارة مفبركة، لأن الغاية الحقيقية منها هي تكملة عدد الوزراء المتفق عليه للكتل، فلا مقرّات لها، ولا ميزانيات، ولا مهام من أي نوع كان. ويمكن القول إن مهمة الوزير هي الانتباه الى يد مَن وزّره، فيرفع يده أو يبقيها على الطاولة، أو يتلقى توجيهاته عبر شاشة الخليوي. والمضحك في دولتنا الهجينة هو فبركتها لأسماء وزارات الدولة، وبحيـث يعيّن الوزير وهو لا يعلم ما هي الحقيبة المفبركة التي أُسندت إليه. حدث هذا الأمر عند تشكيل أول حكومة بعد انتخاب الرئيس القوي، فأوجِدت تسميات لوزارات دولة لم يقم فيها الوزير المعيّن بأي عمل سوى حضور الجلسات للتصويت. ويمكننا الجزم بأن محاضر الجلسات تخلو من أي كلمة له كرأي أو كمناقشة. وأقدمت أول حكومة تألفت مؤخراً، وهي الحكومة التي يحلو للعهد القوي تسميتها حكومة العهد الأولى، على إلغاء وزارات دولة كانت قد فُبركت في الحكومة التي سبقتها. وهكذا وُجدت وزارات وزالت أخرى دون أن يعرف الوزراء مهامهم فيها. أما مَن حاول تحويل وزراة الدولة المسندة إليه إلى وزارة منتِجة، وذات جدوى، فلم يدخل الحكومة الجديدة وألغيت وزارته. 

أما حالياً، وفي ما يحلو للعهد القوي تسميتها حكومة العهد الأولى، فإننا نتذكر جميعنا أحد الوزراء الذي فُبركت له وزارة دولة، وأُطلق عليها اسم وزارة الدولة لشؤون التنمية والتجارة الخارجية، وذلك في معرض إجابته عن سؤالٍ حول المهام التي ستُسند إلى وزارته. أجاب الوزير بكل صدقٍ وعفوية، بأنه لا يعرف أي شيء عن مثل هذه الوزارة، ولا عن مهامها، وأنه فور نيل الحكومة للثقة سيبحث موضوع عمله الوزاري مع وزيرَي الإقتصاد والخارجية.

وفي النتيجة نقول إن وزير الدولة، أو الوزير بلا حقيبة، كما يسمى في الدول التي  للديمقراطية معنىً في قاموسها السياسي، يعطي شخصه المؤشر لأحداث داخلية أو خارجية ستقع، وتستوجب مشاركة الجهة التي يمثلها هذا الوزير في صناعة القرار الوطني، وعندها يسمّى وزيراً بلا حقيبة. وهذا أمرٌ مشرّفٌ له ولحزبه الذي يمثّله. أما الدول الهجينة، مثل لبنان، فإنّ وزير الدولة يجب أن يسلّم حقيبة، ولو وهمية وغير منتجة، ولا ميزانية لها. ويكون رأي هذا الوزير دون طعم ولا لون ولا رائحة. هذا إذا كان له رأياً، وذلك لأنه ساعٍ من سعاة معلّمه الذي طلب توزيره ليرفع يده بالموافقة، أو الإعتراض، وذلك بحسب الأوامر التي يتلقاها قبل جلسة مجلس الوزراء، أو عبر شاشة الخليوي. لـذلـك لا نجد أي وزير دولة في لبنان له أي وزن سياسي، أو أي خبرة من أي نوع، بل جميعهم مجرد أسماء يُسجّل في إخراجات قيودهم في خانة الملاحظات، "لبناني منذ أكثر من عشر سنوات، وزلمة... (يضاف اسم الزعيم).

ونتحدىّ العاملين في الحقل العام، من وزراء أو نواب، أو سياسيين حزبيين، ونسألهم هل تعرفون عدد وزراء الدولة؟ وإذا عرفتم العدد، هل تعرفون ما هي المهام المسندة إليهم؟ وأخيراً هل تعرفون أسماءهم؟

لنردّد أخيراً ما قاله المتنبي ساخراً من أهل مصر، وجهلهم، ونقول (بتصرف): يا وطناً ضحكت من جهله الأوطان.