نقاش مع قيادة الجيش

غازي العريضي |

انتقل نقاش الموازنة من مجلس الوزراء الى المجلس النيابي. ممثلو الكتل النيابية سيدلون بدلوهم في مقاربات تفنيد بنود الموازنة. وقد تكون تعديلات في نهاية المبارزات والنقاشات. ثمة أمر أساسي بقي معلّقاً مرتبط بـ "التدبير رقم 3" في الجيش وغيره من التدابير التي أخذت حيزاً كبيراً من النقاش وكانت سبباً لتحركات في الشارع واقتحاماً للسراي الحكومي، ولمّـا تجد حلاً بعد.. علماً أن ثمة من أكد ان الموضوع سيعالج في المجلس الأعلى للدفاع، حيث يصدر القرار من هناك في بعبدا وفي جلسة برئاسة رئيس الجمهورية وبناءً لطلبه !! أقرّ مجلس الوزراء مشروع الموازنة، لم تعقد الجلسة تلك، ولم يؤخذ أي قرار. 

سبق أن كتبت بتاريخ 4/5/2019 وتحت عنوان "ظواهر لبنانية" عن هذا الموضوع مؤكداً أن الجيش هو جيش لبنان كله وليس جيش فريق أو تيار أو حزب أو طائفة أو شخص وحذرت من خطورة "أن ينكشف الجيش وموازنته بأدق التفاصيل في سابقة لا نشهد لها مثيلاً ونريد مواجهة اسرائيل"!!

اليوم يصدر كلام لقائد الجيش العماد جوزف عون يقول فيه: "... إن توزيع مهام الجيش وتحديد الأفضلية في التدابير العسكرية أصبح مادة جدلية تتم مناقشتها على المنابر وفي الصالونات، علماً ان قيادة الجيش هي من تقرر ذلك. ما أفرزته الموازنة من منع التطويع لصفة جنود أو تلامذة ضباط ومنع التسريح ينذر بانعكاسات سلبية على المؤسسة العسكرية بدءاً من ضرب هيكليتها وهرميتها مروراً بالخلل في توازنات الترقيات وهو أمر "مخالف لقانون الدفاع". إن ما ذكر يؤسس لسلوك متعمد لتطويق المؤسسة العسكرية يهدف الى إضعافها وضرب معنويات ضباطها وجنودها ومنعهم من الحصول على أبسط حقوقهم". 

بالتأكيد، ليس مقبولاً العمل على تطويق مؤسسة الجيش أو اي مؤسسة من المؤسسات اللبنانية التي تقوم بواجبها، وليس مقبولاً استخدام المؤسسات ودورها في بازارات الحسابات السياسية الرئاسية وغير الرئاسية. مؤسسات الدولة هي لكل اللبنانيين وفي خدمتهم وضمانة أمنهم واستقرارهم وانتظام حياتهم اليومية والوصول الى حقوقهم. وأي تجاوز لهذه الثوابت هو مخالف لكل القوانين وخروج عن الدور المنوط بأي مسؤول في الدولة وعن أمانة المسؤولية ونبل ممارستها. 

وانطلاقاً مما كتبت سابقاً، وأشرت اليه اليوم، فإن النقاش الجدي لأي أمر من الأمور يجب أن يكون داخل المؤسسات ومعها، خصوصاً تلك المتعلقة بالمؤسسات الأمنية ذات الوضعية الخاصة لجهة دورها وأسرارها، "إذا بقي أسرار في البلد في ظل ما نشهد من ممارسات غريبة عجيبة في القضاء وبين الأجهزة الأمنية وبين بعضها وبعض القضاء" ويتخذ القرار النهائي في مجلس الوزراء بروح المسؤولية الوطنية وعلى قاعدة الأولويات التي يحدّدها، بعيداً عن الشعبوية والمزايدات والبطولات الإعلامية الوهمية وافتعال الأدوار من قبل من وضعوا في مواقع أكبر منهم، ولا يجيدون للأسف تمثيل أدوارهم كما يجب. انطلاقاً من كل ذلك، ينبغي في موازاة النقاش في المجلس النيابي، بل قبل الوصول الى الجلسة العامة لمناقشة مشروع الموازنة، أن يكون نقاش علمي هادئ موضوعي مع قائد الجيش، للوصول الى تفاهمات تحمي المالية اللبنانية، ومؤسسات الدولة وموظفيها وعلى رأسها مؤسسة الجيش . وحسناً فعل الزعيم الوطني وليد جنبلاط في تلقفه "نداء" قائد الجيش ودعوته الى هذا النقاش معه فهذا أكرم لنا جميعاً "ولدولتنا" وأرحم "للبنانيين" من مشاهد الفوضى والتلاعب بأعصابهم من قبل كبار القوم في أحاديثهم عن "الانهيار المالي" والوصول الى مرحلة لا يمكننا فيها " دفع الرواتب " والتشبّه ب " اليونان " ثم الخروج بـ "لمّية" سموها موازنة وابتعدوا عن كل شيئ يمكن أن يؤثر على "المصالح" المشتركة التي هي أساس التفاهم بينهم الذي ولّد هذه التركيبة منذ سنتين ونصف السنة تقريباً!! لا الكهرباء (حيث لا هيئة ناظمة ولا مجلس إدارة) وقد طعن المجلس الدستوري ببعض بنود القانون الخاص بها، ولا الاتصالات ومسلسل ما يجري فيها وما يدور من كلام حول وضع "مؤسساتها"، ولا الضريبة التصاعدية، أو الأملاك البحرية، أو التهرّب الضريبي، أو التهريب الجمركي وغيرها من الأمور. فعلوا أمراً واحداً: هرّبوا ما يريدون في الموازنة وتهرّبوا من مقاربة هذه العناوين و"المصالح المشتركة". 

فليتجدّد النقاش في المجلس النيابي حولها وليكن الحوار الجانبي الهادئ مع قائد الجيش فيما يتعلق بالأمور الخاصة بالمؤسسة العسكرية ليبنى على الشيئ مقتضاه فيوفّر للدولة ما تحتاجه ويوفّر على المواطنين هذا الترهيب اليومي الممارس عليهم!!