إشكال واسع بين "المستقبل" و"الوطني الحر"... والقصة مش رمانة

ربيع سرجون |

عند المفترقات الأساسية، يظهر خواء الإتفاقات التي حكمت التسوية الرئاسية. ومنذ دخول التسوية حيّز التنفيذ، ظهر أن عوامل تأمين استمراريتها لا ترتبط بالملفات السياسية، ولا بالحرص على الدستور أو المؤسسات، أو تقديم خطة إصلاحية واضحة في الإدارة والمالية والإقتصاد. نجمت عن تلك التسوية مراكز قوى أرادت التقاطع فيما بينها لتعزيز مكتسبات لا علاقة لها بالإنتظام العام لعمل الدولة. فكان عند كل محطة مفصلية من محطات المحاصصات الكبرى، يقع الإشكال بين قطبيها الأساسيين، فيستعيدان لغة الإشتباك السابق لإبرامها.

إشكال جديد وواسع يطرأ على العلاقة المستجدة بين تيار المستقبل والتيار الوطني الحرّ. لكن هذه المرّة، لم تكن القصة قصة رمّانة بل قلوب ملآنة، وذلك بفعل استشعار المستقبل وبيئته بأن ثمة انقضاضاً واسعاً ليس على صلاحيات رئاسة الحكومة، بل على كل المواقع الأساسية في الدولة، والتي في جزء منها، ووفق منطق التحاصص الموجود في لبنان، محسوبة من حصة رئاسة الحكومة.

انفجر الإشكال على خلفيتين لم يكن بالإمكان هضمهما أو تمريرهما، الاول كلام الوزير جبران باسيل عن استعادة الحقوق والصلاحيات التي كسبتها السنّية السياسية على جثة المارونية السياسية، وفق تعبيره في إحدى جلساته الحوارية مع مجموعة شبان في بلدة تل ذنوب في البقاع، والثاني هو الحكم الصادر عن المحكمة العسكرية بتبرئة المقدم سوزان الحاج، هذه البراءة التي حصلت بعد تدخل وزير الدفاع الياس بو صعب مع رئاسة المحكمة في يوم الحكم.

لم يكن بإمكان أي لبناني حريص على الدولة ومؤسّساتها والدستور، إلا أن يُستفز لهذين الموقفين، فالموقف الأول ينسف إتفاق الطائف والمناصفة، والثاني لا يوفر أي ثقة للمواطن للشعور بالأمن والأمان لدى اللجوء إلى القضاء. أما في مسألة المناصفة وإتفاق الطائف، لم يترك الوزير جبران باسيل فرصة إلا وانتهزها للإنقضاض على الإتفاق وضربه وتأكيد السعي لاستعادة الصلاحيات، وهذا المسار بدأ من قانون الإنتخاب ولم ينته حتى هذه اللحظة. أما في قضية تبرئة سوزان الحاج، فهناك استعادة لزمن التدخل السوري في عمل القضاء، أو تكرار لإخلاء السبيل ميشال سماحة، المتهم بنقل عبوات لتنفيذ عمليات تفجير واغتيال في مناطق لبنانية عدة.

تفجّر الإشكال وسط مساعٍ سياسية لوقف التوتر وإعادة تجديد روح التسوية، إذ بحسب ما تشير مصادر متابعة فإن إتصالات عديدة حصلت في الساعات الأخيرة لوقف حملات التصعيد والهجمات والردود المضادة، لكن باسيل، وعلى الرغم من توضيحه لحقيقة موقفه، فلم يشِر إلى الإلتزام باتفاق الطائف، بل استخدم عبارة الحفاظ على الميثاقية، وهذا تأكيد جديد منه على عدم إيمانه بالطائف. وبمجرد ذكر كلمة ميثاقية فإن ذلك يعني العودة إلى الصيغة التي كانت قائمة ما قبل المناصفة التي كرسها الطائف.

ومما لا شك فيه أن هذا الإشتباك، الذي أخذ مداه، يرتبط بأكثر من النقطتين الآنفتي الذكر. هناك معركة محمومة آتية على التعيينات في المرحلة المقبلة، وخاصة بعد انتهاء الحكومة من نقاش الموازنة، والتي ستشهد جلسات عاصفة في المجلس النيابي، إلا أن معركة التعيينات ستفتح. وهناك معلومات مؤكدة بأنه لدى باسيل لائحة مطالب واسعة يريد تمريرها، وقد استشعر المستقبل بنية باسيل الإقتراب من مواقع على حساب حصته، سواء في شركة طيران الشرق الأوسط، أو في مصرف لبنان، أو في مواقع أخرى في الدولة. وهو إن لم يكن يريد الإستحواذ على هذه المواقع، إلا أنه يريد أن يكون شريكاً في اختيار أصحابها. هذه النية هي التي دفعت المستقبل إلى رفع الصوت. وهذا بحدّ ذاته عبارة عن هروب إلى الإمام من مواجهة الإستحقاقات، والتي يخشى في المرات اللاحقة أن تكون أكبر وأعظم.