التسعير بالدولار: يعيش التجّار!

04 شباط 2023 19:18:20

فعلها وزير الاقتصاد والتجارة أمين سلام أخيرًا، فمرّر بسلاسة مطلب كبار التجّار والهيئات الاقتصاديّة، القاضي بتسعير السلع الاستهلاكيّة في السوق بالدولار الأميركي، مع ترك خيار تسديد ثمنها بالليرة وبسعر السوق الموازية، وبموجب جداول صادرة عن الوزارة نفسها.

وليحصّن سلام قراره، أحاطه بزيارة إلى بكركي ليعلن من منبرها أنّ الأسبوع المقبل سيكون موعد البدء بتطبيق هذه الآليّة، فيما أشار في بيان سابق أنّ هذه الخطوة جاءت من خلال حوارات مع "النقابات والرأي العام والاتحادات وجمعيات المجتمع المدني"، موحيًا أن الهدف من الإجراء هو تحصين المستهلك وحمايته من فوضى التسعير في المحلات التجاريّة. ولتكتمل الصورة، جاء بيان النائب وضّاح الصادق الذي تبنّى الفكرة، حيث أعلن الصّادق عن عقد اجتماعات في لجنة الاقتصاد النيابيّة مع سلام والمدير العام لوزارة الاقتصاد، تم التوصّل خلالها إلى أنّ التسعير بالدولار هو الحل لمشكلة التلاعب في الأسعار.

صفقات كبيرة مقبلة
على هذا الأساس، سيكون بإمكان كبار المستوردين والتجّار في السوق ضمان هامش الربح الدائم بالدولار النقدي، أو ما يوازي هذه القيمة بالليرة بحسب سعر صرف السوق. ولن يكون على التجّار بعد هذه اللحظة التحسّب لأثر تذبذب سعر الصرف على نسبة ربحيّتهم، التي ستكون مقدّرة كنسبة معيّنة ودائمة من ثمن السلع المستوردة والمباعة، بحسب جداول الأسعار التي ستصدرها بالدولار وزارة الاقتصاد والتجارة. ببساطة شديدة، سيكون التاجر خارج معادلات سعر الصرف من الآن وصاعدًا، تمامًا كحال مشغلي المولدات الخاصّة التي جرت دولرة فواتيرها في الغالبيّة الساحقة من المناطق، أو مستوردي المحروقات الذين تخضع جداول أسعارهم لقيمة الدولار في السوق الموازية.

أمّا وزارة الاقتصاد والتجارة، فستملك مفاتيح تحديد هامش الربح للتاجر، الذي سيعطيها –بغياب أطر واضحة للمراقبة والتسعير- القدرة على نسج التفاهمات الجانبيّة مع مستوردي كل صنف من أصناف السلع. مع الإشارة إلى أن التجّار يملكون بدورهم عشرات الأساليب المعروفة، لإخفاء كلفة السلع المستوردة عليهم، ما يزيد من ضبابيّة المشهد هنا. وفي جميع الحالات، وبما أن إساءة الظن باتت مشروعة بعد كل ما جرى خلال السنوات الثلاث الماضية، يحق للبنانيين أن يسألوا وزارة الاقتصاد والتجارة عن أسس التسعير التي ستعتمدها، بالتفاهم مع التجّار، وعن كيفيّة ضمان عدم وجود صفقة من هنا أو لعبة من هناك، بما يفضي إلى تفضيل سلعة معيّنة على غيرها في عمليّة التسعير، أو بما يضاعف أرباح تاجر معيّن بغياب المنافسة.

باختصار، ستفتح مسألة جداول الأسعار بابًا لسمسرات لا تُحصى، ولوزارة الاقتصاد والتجارة تحديدًا سجل طويل وحافل في هذا المجال. وفي جميع الحالات، يمكن للمراقب أن يفهم بسهولة نوعيّة هذه الصفقات، بمجرّد مراجعة ما كشفته الصحافة الاستقصائيّة عن الألاعيب التي جرت خلال فترة الدعم.

ربح التاجر بالدولار ومصروفه بالليرة
الإشكاليّة الأهم هنا، هي أنّ التجار سيتمكنون من ضمان الربح بالليرة، في حين أنّهم سيتمكنون من الاستمرار بسداد الضرائب والرسوم على أساس سعر صرف 15 ألف ليرة مقابل الدولار، الذي لا تتجاوز قيمته ال23% من سعر الصرف الفعلي في السوق الموازية. من هذه الزاوية بالتحديد، يمكن فهم إلحاح وإصرار التجّار طوال الفترة الماضية على هذه الخطوة، التي سمح بها الوزير أمين سلام اليوم. ومن المعلوم أن الهيئات الاقتصاديّة خاضت معركة ضارية خلال العام الماضي، لتخفيض سعر الصرف المعتمد لسداد ضرائبها، بدل العمل على مسار لتوحيد سعر الصرف.

في الوقت نفسه، ورغم ضمان الربح بالدولار، ستستمر المؤسسات التجاريّة بسداد عدد من النفقات التشغيليّة بالليرة، وأهمّها رواتب وأجور عمّالها وموظفيها، التي لم تخضع بعد لأي عمليّة تصحيح شاملة. وهنا بالتحديد، يمكن السؤال عن سبب حماسة وزارة الاقتصاد والتجارة لخطوة دولرة الأسعار، دون العمل بالتوازي –مع وزارة العمل- على تصحيح موازي لرواتب العمّال والموظفين، لإفادتهم من مردود هذه الخطوة على المؤسسات التجاريّة.

بدائل كانت متاحة
كل هذا المشهد، يدفعنا للتساؤل عن سبب إصرار وزارة الاقتصاد والتجارة على هذه الخطوة، بدل العمل على خطوات بديلة كانت متاحة، كإصدار جداول تسعير متحرّكة يوميّة بالليرة، ووفقًا لمعادلات واضحة وشفافة. وهذه الخطوة، كان من شأنها ضبط الأسعار المتفلّتة في السوق، وحماية المستهلك، دون الخوض في كل المحاذير والسلبيّة التي يمكن أن تنتج عن خطوة التسعير بالدولار مباشرة.

باختصار، ما يجري اليوم، على مستوى تسعير السلع الاستهلاكيّة بالدولار، ليس سوى استكمال لمسار الدولرة الشاملة، التي يقترب منها الاقتصاد اللبناني بشكل متدرّج، والتي تفضي إلى تقليص القيمة الشرائيّة لرواتب اللبنانيين وأجورهم بالتوازي مع أي انخفاض في سعر صرف السوق الموازية. وهذه الخطوة، تأتي كمخرج يضمن مصالح كبار المتمولين، القادرين على استعمال نفوذهم لحماية أولويّاتهم، ولو على حساب الغالبيّة الساحقة من اللبنانيين المتضررين من هذه الخطوة. وهكذا، سنكون قريبًا أمام مرحلة جديدة، من مراحل التوزيع غير العادل لخسائر الأزمة الاقتصاديّة.