لبنة من تراب المختارة

د. قصي الحسين |

كان غبار المختارة كثيفا يوم الرابع من آب العام 2001. سال الناس إليها دروبا دروبا، صباح ذلك اليوم المشهود. ما نست الأرض أن تلم من أنفاسها لبنة من تراب المختارة، وتودعها كثيفة كثيفة، ولطيفة لطيفة، في جبة الحبر الزائر. يوم علا غبار المصالحة التاريخية في بيت الدين، إستعاد وقود القلوب اللاهبة، الساعد المطمئن لوحدة الجبل ووحدة لبنان،  وإستعاد معه الكلمة المطمئنة الفاعلة في النفوس فعلها، مثل النار في الهشيم.

غبار المصالحة التاريخية يوم ذاك التي أرساها الزعيم الوطني الكبير وليد جنبلاط، مع الحبر الوطني الكبير البطريرك الراحل مار  نصرالله بطرس صفير، ما مسحناه عن جباهنا، بل هزه أرز الشوف، وصنع منه لبنة من تراب المختارة، وعلقه تذكارات في قرى الجبل،  وأودعه وشاحا، حمله وليد جنبلاط للحبر الزائر الكبير في بيت الدين، لينتطق به على مدى الزمان.

موكب في أول الطريق في بيت الدين، يسيل بالجموع، بالناس بالأحرار، إلى فوق، إلى سماء المختارة الصافية، التي إتشحت، بالأكف الصغيرة والكبيرة، وبسعف الأرز وأوراق الرياحين والورود. حيث التراب، ممزوجا بالدموع، يصاعد بخورا فوق روابي الجبل.

الباب الذي كان مفروضا في اللبنانيين أن يفتحوه من أنفسهم وبأنفسهم، تمشيا مع تاريخهم في المصالحات الكبرى، ولم يفعلوا، فتحه لهم الزعيم الوطني الكبير، وليد جنبلاط، حين مد يده للحبر الوطني التاريخي الكبير، البطريرك صفير، الذي وضع الميثاق الجديد، ميثاق المصالحة التاريخية في الجبل، في الرابع من آب العام 2001.

كان لبنان في مستهل حياته بعد إتفاق الطائف، يفتش لنفسه عن قاسم مشترك يوحد بين أبنائه في نشدان وحدة الجبل والمحافظة عليها، فما وجدوه، ووجده وليد جنبلاط والبطريرك صفير.

لمرة إعتززنا بكينونة الجبل بعد الخامس من آب2001.لنعلن على الملأ، ولندل الناس، لعلهم بدورهم، يعتزون ويبلسمون جروحهم من خجلهم، حين نفض البطريرك صفير جبته، وصنع من غبار ترابها، لبنة يضعها تحت رأسه في الحياة وفي الممات، ليستمر لبنان سيدا حرا مستقلا. وليضمن عدم خروجنا عنها وسط هذا "المعمعان" الذي نعيش فيه ،في لبنان، هذة الأيام.

فاللبنة التي جبلت في الزيارة من تراب المختارة، وجعلها البطرك صفير تحت رأسه، سحابة حياته، بعد الخامس من آب2001، وحتى مماته في الثاني عشر من أيار العام2019، إنما هي ضمانة ميثاق وحدة الجبل، وضمانة شرف المصالحة التاريخية، من تاريخ مسيرة المعلم الشهيد كمال جنبلاط، وحتى برهة وليد جنبلاط والبطريرك صفير: برهة إلتقاء الساعد المطمئن، بالكلمة المطمئنة.

ومثلما أثبت وليد جنبلاط، أن كمال جنبلاط لا يزال حيا بنهجه ومبادئه، وظل وفيا له،بعد مماته؛ يثبت اليوم البطريرك صفير بعد رحيله، إلتزامه الشاسع، بما كان يعمل من أجله في حياته.

فجر يوم الأحد الواقع فيه الثاني عشر من أيار العام2019، وضع البطريرك، مار نصر الله بطرس صفير، "لبنة المختارة" تحت رأسه، وطوى جبته،  ونعس بين أهله ونام، ولسان حاله المثل الإنكليزي الشهير: "الفشل لا أب له"، فهز الزعيم وليد جنبلاط رأسه متمما: "لا أحد يقبل أن يتمناه". وأضاف : التاريخ لا يغير عادته كما يشتهي الضعفاء.

وإذا كنا اليوم نعرض للمصالحة التاريخية في بيت الدين وتحت أرز الشوف وبين أروقة المختارة، بعد رحيل البطريرك صفير، كتجربة مميزة في دورها الحاسم لإستنهاض لبنان، وتحملها الأعباء الكبيرة، فلأنها، لم تكن سهلة، بل واجهت، وواجه معها اللبنانيون، الكثير من العراقيل والصعوبات الداخلية والخارجية. فكان أن تصدت لها إرادة المختارة ولا تزال، من خلال مسيرة وليد جنبلاط، حيث الفشل ممنوع، ما دام وداع الراحل الكبير مار نصرالله بطرس صفبر مجبولا بالدموع.

ففي الثاني عشر من أيار العام2019، إبتدأ التسجيل لحساب وحدة الجبل، ولحساب حياة المصالحة التاريخية من غير نكول.

وإذا كان على مدى مئات القرون لا تحدث الأشياء إلا في الحاضر، كما يقول "خورخي لويس بورخيس"، فإن طيف البطريرك صفير سوف يظل حاضرا في سماء المختارة.

ففي لحظة التأمل في فهم العلاقة بين الجبل وجميع أبنائه، تنحني الهامات، لأصحاب الإرادات، من أجل الشموخ عل مدى الأزمان. فالجبل وأرز الشوف، كما وليد جنبلاط والبطريرك صفير، رفيقا صبا وشريكا جهاد.

إرث حي وعلاقة جدالية، وتوحد مكاني وحالة إجتماع وإنتماء إلى الوطن، لا تهن، على مدى الأزمان.

هذة الطاقة التي تلازمت وتواصلت في حياة المعلم الشهيد كمال جنبلاط، إنما هي طاقة الإنسان الحر التي ورثها بكل إباء، وليد جنبلاط ونجله النائب تيمور بك، وصنعا منها حقيقة واحدة:  إن الناس في الجبل إنما هم أخوة متساوون، أحرار واعون، بعيدون عن كل إرتهان، مهما جحد الجاحدون.

وأما البطريرك صفير، بكفه الأبيض في إتفاق الطائف1989، وفي اللجنة الثلاثية التي أنهت الحرب اللبنانية، والتي ضمت المملكة العربية السعودية والمغرب والجزائر،  والتحرر من الوصاية في العام2000، وعراب ثورة الارز2005، كان قد تحمل بكل قسوة،تلك النكتة السمجة في عهده: " إنحياز بكركي"، فقد ظل تراب المختارة، عالقا بقدميه الميمونتين بعد الزيارة، لحماية السلم الأهلي، من خلال المصالحة، كمؤشر إستقلالي وسيادي كبير، وكمشروع وطني لبناني لا عودة عنه. تسكن قلبه روح رسولية، في جميع خطاه التي مشاها من المختارة إلى جزين ودير القمر والديمان، ووادي قنوبين.

صوتان رسوليان اليوم في سماء المختارة: صوت المعلم الشهيد كمال جنبلاط، وصوت البطريرك "العنيد"، مار نصرالله بطرس صفير. وبين يديهما: لبنة مكتوبة مجبولة من تراب المختارة.

* أستاذ في الجامعة اللبنانية