موازنة الأضداد

د. طارق خليل |

بعد مرور ما يقارب الشهر على مناقشة الموازنة المبهمة\الملَغّمة، ماذا عسانا أن نقول عن إصلاح منشود في ظل تفاوت بين رؤى رقمية توهيمية ومطالب إصلاحية ملحّة في هيكلية العديد من القطاعات والمؤسّسات العامّة. فأين نحن من التشريعات وتطويرها، تفعيل أجهزة الرقابة التي تُؤمِن حسن سير الأداء الوظائفي(أجهزة التفتيش)، دائرة المناقصات التي تشرف وتبتّ في صِحّة التعهدات ومجلس الخدمة المدنية الذي يُؤمِن وصول الأشخاص الأكفّاء إلى المواقع المناسبة؟ ماذا نقول أيضاً إذا فُرِض على جيلنا أن يكون مستقبله تسديداً لديون ماضٍ كلٌ يراه بجزئيته مشرقٍ اضمحلّ شعاعَه أمام هول أنانياته؟  نقول ألا يحق لنا أن نسدد هذه الديون المُثقَلَة بتغيرات إجتماعية- إقتصادية بما يضمن الأمل بلبنان الوطن المنشود لكل مُكوِناتِه؟ ألا يحقّ لنا أن نصنعَ بأنفسنا حياةً جديدة؟
لقد تظهّر ملف الموازنة في مقاربة عقيمة عهدناها في جميع الملفات والقضايا المفصلية بدءاً من قانونٍ إنتخابي مجتزء مروراً بتشكيل حكومة وفاق وطني كأنّ الوفاق عنوان يبرز فقط في أدبياتنا اللفظية وإذ يتحول بين الفينة والأخرى إلى تخوين وإنكار، أمّا فَصْلُ الموازنة في كتاب إخفاقات الطبقة السياسية فيُعدّ الأخطر على صعيد الإصرار في تأخير الإصلاحات الواجب إتّباعها منذ عقود وعهود. أمّا الآن، ألم يكن الأجدى على الحكومة أن تصارح المواطن اللبناني حول طبيعة الخطوات المتّجهة لإتخاذها عبر خطاب واضح وشفّاف تُظهِر من خلاله الإصلاحات المنوي تنفيذها وبالتوازي الإجراءات التقشفية التي ستتّبعها في القطاع العام في بادرةٍ أقل ما يقال فيها أنّها من بديهيات العمل المؤسّساتي الذي يصبّ في صلب روحية دولة العقل؟
أمّا بعد فعلينا أن نعترف أنّ لا إصلاح إلّا من باب التغيير البنيوي في النظام السياسي اللبناني وما المليارات المُمكِن إدخالها إلى خزينة الحكومة عبر إغلاق مكامن الإختلالات المالية الكبرى سوى الرديف المنشود لباب الإصلاح عبر مفتاح تطبيق إتّفاق الطائف، وهنا لا بد من الإثناء على توجّه كتلة التنمية والتحرير المبكِر في مقاربة واقع القانون الإنتخابي عبر التواصل مع القوى السياسية الأخرى على نسق ما قام به اللقاء الديمقراطي في مقاربة الملف الإقتصادي.
لقد لفتني الحريق الذي تعرّضت له كاتدرائية نوتر دام دو باري بإرادة إلهية أو بأيدٍ خفيّة متألّهة ولكن الأيادي الظاهرة من كبار أثرياء فرنسا تُرجِمت ب 700 مليون يورو تبرّعوا بها عائلات كبينو، بِتانكور وغيرهم من كافة شرائح المجتمع ليكون هذا الحدث التواصلي مناسبةً دلالية في فهم الإرادة الوطنية عند جميع طبقات المجتمع الفرنسي. أمّا على صعيد لبنان والحرائق الإقتصادية قد تآكلته في معظم قطاعاته، فنتساءل لماذا لا يساهم كبار المتموّلين اللبنانيين الفاعلين-المنتجين في رفد الإقتصاد اللبناني؟ التأويل الصحيح ينطلق من فهم النظام السياسي اللبناني بتكوينه النابذ لكل أشكال التماسك الواعي بينما الفرنسي فهو جاذب وتشكّل أهمية تماسكه  فرادة الوعي الجامعة عند كل شرائح مجتمعه. بمعنى آخر، تتقاطع أطياف المجتمع الفرنسي إلى حدّ كبير في تفهّم مشاكل بعضها البعض والتخفيف من ثقل أعبائها فنلحظ التضامن النقابي ولعب الحكومة دورا كبيرا في خلق حلقات تفاهم راسخة بينها وبين النقابات وبين النقابات وأرباب العمل في عدّة قطاعات بما يكفل الحفاظ على التكافل الإجتماعي الوطني المعني به كل شرائح المجتمع، مع الإشارة إلى أنّ هذا التضامن تحقّق في ظل تطوّر النظام السياسي الفرنسي(الجمهورية الخامسة) مع الجنرال شارل ديغول، جورج بومبيدو وفريق عملهم الذي شكّل جاك شيراك لاحقا واحدا من أركانه المتميزين بمقارباتهم الرؤيوية لفرنسا الحديثة(را. مذكرات شيراك). من هنا، تتضّح أكثر فأكثر خطورة غياب هذا التماسك الواعي عند شرائح المجتمع اللبناني عبر ازدياد اللامساواة في التقديمات للموظفين بين مؤسّسات القطاع العام، ناهيك عن ازدياد هذه اللامساواة بين من هم داخل القطاع العام ومن هم خارجه في أرجحية تحفيزية للقطاع العام ممّا يُعد مؤشراً مغايراً وربما سلبياً إذ يُفقِد القطاع الخاص ديناميكيته الأساسية في استنهاض الإقتصاد؛ أضف غياب أي جهد لرأب هذا الصدع.
إنّ هذا الأسلوب المتّبع من قِبل بعض أركان السلطة نجح حتى الآن في إبعاد المتمولين المنتجين من لعب دور فعّال في بنية الإقتصاد اللبناني، كما تمكّنوا من تحويل مؤسّسات القطاع العام إلى قطاعات متعارضة عبر خلق إمتيازات تبدو في ظاهرها غير مدروسة ولكن يكمن في داخلها النسق المتّبع للهيمنة السياسية الزبائنية في سياق إقتصاد الغنيمة القائم على الإقطاعيات داخل القطاع العام.
كما أنّ النظرة النمطية إلى التعليم العالي تؤشر مجددا على تركيبة  السلطة السياسية إذ تُعد الجامعة في الدول المتقدمة بحداثتها واحدة من أركان الثبات في هيكل النظام المعرفي الإقتصادي الإجتماعي بينما تشكّلت الجامعة اللبنانية منذ نشوئها بالمظاهرات الشعبية وبقيت على تماس حتى الآن مع الحكومات المتعاقبة دون أن يُسمح  لها أن تتطور ضمن خطّة واضحة تنقلها إلى مصافي جامعات القرن الحادي والعشرين المتقدمة ودون أن نغفل التسهيلات المقدّمة بالتوازي للجامعات الخاصة المستحدثة (را. ط. خ.، التلازم البنيوي بين مكافحة الفساد والإصلاح التربوي، الأنباء).   لذلك حتى لو كان المساس بالجامعة غير جوهري كما تدّعي ذلك الحكومة عبر موازنتها ولكن جوهر الإشكالية لا ينتفي حول المقاربة المُبهَمَة للحكومة لواقع الجامعة اللبنانية وأفق تطورها (يكفي الإطّلاع على النقاط الكثيرة التي أثارتها مؤخّراً رابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية)- كمؤشر أجرة المباني وعدم الإنتهاء من إقامة مجمعات جامعية. فالتقصير يكمن في عدم زيادة موازنة الجامعة اللبنانية المُنتِج الأكبر لأهل المعرفة والإختصاص والجامع الأكبر لكل شرائح المجتمع اللبناني(ازداد عدد الطلاب منذ التسعينيات حتى الآن إلى الضعفين)؛ فإنّ التعامي في عدم الإستفادة من قدرات أهل الجامعة في رفد مؤسّسات الدولة بالدراسات والمشاريع والكوادر يُعبّر عن الزبائنية السياسية في التعاطي مع خصوصية الجامعة ويؤكّد النهج المُتّبع في عدم تعزيز واقعها التفاعلي والبحثي والعمل على حصرها في الإطار التعليمي وإستسهال التشكيك في مدى فعاليته ناهيك عن التراخي المتمادي في تجديد كادرها الإداري. هنا إستطراداً وفي مؤشر يبنى عليه لا بد من الإشادة بتوقيع الإتفاقية بين وزارة الصناعة ومركز الجودة والتغذية في الجامعة اللّبنانية الذي تمّ تأسيسه بجهد خاص قام به كل من الدكتور نزيه بو شاهين وفريق من أهل الجامعة اللبنانية وباحتضان وزير الصحّة آنذاك معالي الأستاذ وائل أبو فاعور، كما إستفادت حديثا مؤسسة الليطاني من قدرات هذا المركز. 
وبينما نحن في خضم نقاش الموازنة لا بدّ أن نستذكر يوم الخامس والعشرين من أيار، هذا اليوم المجيد في تاريخ لبنان الحديث حيث انسحب العدو الإسرائيلي من دون أية مفاوضات أو اتفاقيات، مثنين على كلام الرفيق رئيس الحزب الأستاذ وليد جنبلاط  عن هذه الذكرى المُشرِقة في التحرير. من هذا الواقع نحث مجددا ومجددا على تحرير النظام السياسي اللبناني من قيوده الطائفية أسوةً بتحرير الأرض حيث تصبح مقاومة الفساد واقعية مُؤسِسة لمرحلة جديدة في نهضة لبنان الحديث. كما لا بد أن يبادر الحزب التقدمي الإشتراكي، حزب الجامعة اللبنانية، جامعة شهيدها الأول حسَان أبو اسماعيل، إلى طرح خطة إصلاح تربوية تحاكي رؤية الجيل الناشىء ومؤكدة على استمرارية النضال في إرثاء المفهوم الإشتراكي للتعليم في لبنان كمعبر أساسي لإشتراكية أكثر إنسانية.