فعلها برّي: من بيروت إلى واشنطن هذه حكاية تحوّل الموقف الأميركي من ترسيم الحدود

في لحظة بلغ فيها التوتر حدودًا خطرة بين ايران من جهة والدول الخليجية والولايات المتحدة من جهة ثانية، ظهرت في لبنان مشهدية معاكسة تمامًا للرسائل التفجيرية والحروب الإقتصادية، تمثلت في التحوّل الإيجابي الذي طرأ على ملف ترسيم الحدود البحرية والبرية بين لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة. 

فماذا الذي تغير وجعل الولايات المتحدة تفعّل وساطتها في هذا التوقيت، وتوافق على مقاربة لبنانية لطالما رفضتها، بتلازم مساري التلزيم بريّا وبحريّا، وبإشراك الأمم المتحدة، وبالتخلي عن خط "هوف"؟ وما الذي تغير أيضًا وجعل العدو الإسرائيلي بدوره يرسل عبر مساعد وزير الخارجية الأميركية السفير دايفيد ساترفيلد موافقته بالجلوس على طاولة التفاوض؟

رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب النائب ياسين جابر كان قد لمس بداية التحوّل في الموقف الأميركي لدى زيارته واشنطن في عداد الوفد اللبناني في نيسان الماضي، وفي حديث لـ "لبنان 24" لفت جابر إلى أنّ النقطة المفصلية حصلت لدى زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو للبنان "فقبله أتى مساعده ساترفيلد وكان موقف واشنطن على حاله، ولكن عندما زار بومبيو لبنان كان قدّ بدأ يتكوّن موقف لبناني موحّد حيال ملف الترسيم. واجتماع بومبيو في عين التينة مع الرئيس نبيه بري نتج عنه بداية تحوّل في الموقف الأميركي، بحيث استطاع بري أن يقنع ضيفه الأميركي بمقاربة لبنان، وبأهمية وجدوى طلب لبنان دورًا أمميًا، وهو الأمر الذي أصرّ الرئيس بري عليه منذ سنوات وفي كلّ لقاءاته مع الموفدين الأميركيين، فحصل نوع من القبول. وفي النظرة الأشمل هناك استقرار قائم في الجنوب، ومن هنا كانت الدعوة لتدعيمه من خلال حلّ الإشكاليات والنزاعات القائمة". 

 بعد زيارة بومبيو زار وفد لبناني الولايات المتحدة ضمّ النائبين جابر وابراهيم كنعان ومستشار رئيس مجلس النواب علي حمدان، للبحث في مسألة العقوبات الأميركية والمشاركة في اجتماعات البنك الدولي، وفي إحدى الإجتماعات أثار جابر مع ساترفيلد ملف الحدود البحرية، وكان جواب الأخير "نحن أيضًا نريد التحدث في موضوع الحدود البحرية، وعندي كلام أقوله في هذا الشأن". يضيف جابر، في تلك الجلسة أبلغنا ساترفيلد أنّه وفي أعقاب زيارة بومبيو لبيروت، كُلّف من إدارته باستطلاع موقف الأمم المتحدة من لعب دور في ملف الترسيم، وموقف الجانب الإسرائيلي، وتحدّث عن مروحة اتصالات قام بها، قال بعدها ساترفيلد "وصلنا إلى مكان حصل فيه قبول، ونحن بانتظار موقف لبناني رسمي موحّد". 

تابع جابر"لدى عودتنا نقلنا إلى الرئيس برّي والمسؤولين في لبنان مستجدات الموقف الأميركي، فحصل تنسيق بين الرؤساء الثلاثة، وتمّ التوافق في الإجتماع الرئاسي الثلاثي الذي عقد آنذاك في بعبدا ليلًا على صياغة ورقة واحدة. وبناءً عليه أبلغ رئيس الجمهورية ميشال عون الجانب الاميركي الموقف اللبناني، بحيث استدعى السفيرة الأميركية أليزابيت ريتشارد وسلّمها الكتاب الذي يحدّد الموقف اللبناني. بدورها تواصلت مع بقية الرؤساء وكان الكل مؤيد، على هذا الأساس عاد ساترفيلد إلى لبنان بعد أيام ليستكمل المهمة. وفي زيارته الأثنين الماضي تبيّن أنّ الايجابيات لا زالت موجودة، وهناك بعض التفاصيل التي يعمل عليها، واعتقد أنّه سيعود إلى لبنان الأسبوع المقبل، ونأمل خيرًا".

وبشأن آلية التفاوض أوضح جابر، أنّه تمّ وضع آلية للبحث في الترسيم، واللجنة الثلاثية المؤلفة منذ عام 1996 ستتولى التفاوض برعاية الأمم المتحدة وليس بوساطتها، والجانب الأميركي سيكون في موقع المساعد والمسهّل، وكلّ فريق لديه خبراء وخرائط وفقًا لما يحصل عند نشوب نزاع حدودي بين الدول". وبالتالي اللجنة العسكرية المشاركة في اللقاءات الثلاثية التي تعقد في الناقورة برئاسة العميد أمين فرحات ستمثل لبنان في عملية التفاوض، وبطبيعة الحال تستعين اللجنة بخبراء في عالم البحار.

اسرائيل التي لطالما عملت على سرقة نفط لبنان واستغلال الآبار المتداخلة، ومنها مساحة 360 كلم2 في المنطقة الاقتصادية، أبلغت لبنان عبر ساترفيلد قبولها بالتفاوض، وبرأي جابر أنّ سبب قبولها بالتفاوض "هو بقاء لبنان متمسّكًا بحقوقه كاملة، رافضًا التخّلي عن سنتمتر واحد. وبنهاية المطاف ليس من مصلحتها إبقاء الصراع النفطي الحدودي قائمًا، لا سيّما أن الإستثمار في قطاع النفط والغاز يحتاج إلى اطمئنان واستقرار أمني. والجانب اللبناني أيضًا له مصلحة بانهاء النزاع والإستثمار في نفطه".

أمّا بشأن موقف حزب الله من الترسيم، قدّ لا يصدّق عاقل أنّ الموقف اللبناني أُخذ بمعزل عن التنسيق مع الحزب، ومع ذلك يعتبر البعض أنّ الترسيم من شأنه أن ينزع من يد الحزب ذرائعه لإبقاء سلاحه، ولكن برأي جابر "حزب الله لم يدّعِ يومًا حاجته الى ذريعة وهو بموقف دفاعي، وهناك عدو أحتل الأراضي اللبنانية وليس العكس، وبالتالي القصة ليست قصة ذريعة، ولطالما كان موقف لبنان دفاعًا في وجه المعتدي ولم يكن يومّا بموقف هجومي". وأضاف جابر لقد صدر موقف من الحزب مفادُه أنّ ترسيم الحدود شأن تحدّده الدولة اللبنانية. 

"هذه بداية على أمل أن نصل إلى مكان نحصل فيه على خاتمة سعيدة" يختم جابر. وبدورنا نرى أنّه بصرف النظر عن التمحيص في أسباب وخلفيات التحوّل في الموقفين الأميركي والإسرائيلي، فإنّ ما حصل هو انطلاقة جيدة، من شأن إتمامها تحقيق انتصار دبلوماسي للبنان، وتمكينه من استثمار آمن في نفطه الموعود. وفي قراءة لمجريات الأيام التي سبقت الوصول إلى هذه النتيجة، لا بدّ من الإشارة إلى أهمية الإجماع اللبناني الذي تمثّل بموقف لبناني رسمي موّحد سمعه ساترفيلد من كلّ المسؤولين اللبنانيين الذين إلتقاهم، وشكّل نقطة قوّة في مفهوم المقاومة الدبلوماسية اللبنانية من بيروت إلى واشنطن.