خطوط التوتر العالي وخطرها بالوثائق والأرقام

محمود الأحمدية |


في البلاد المتحضِّرة هناك كلمة تختصر كلّ المسافات بالبُعد البيئي: "دراسة الأثر البيئي لمطلق أي مشروع قبل إطلاقه" والقيام بسنّ قوانين تشريعية خاصة بالتعديات البيئية ومن ضمنها خطوط التوتر العالي... ولا شكّ أنه وبالبُعد العالمي هناك رأيان يتنازعان النتائج والضرر الحاصل من مدّ هذه الخطوط من خلال التموّجات الكهرومغناطيسية التي ترسلها ومدى فعاليتها في تدمير صحة الإنسان وكيفية حماية الإنسان من نتائجها والمدى الذي تتركه على صعيد الأمراض التي تنتج هذه الموجات الكهرومغناطيسية! ولكنّه صراع بين رأي العلماء ورأي الشركات العالمية المستفيدة! ويجب الاتفاق على كلمَتَيْن لهما بعدهما الخطير: منطقة صيد التوتر العالي ومنطقة حرم التوتر العالي...

وحتى تكون عمليّين، العلم لا يرحم فهو أرقام ووقائع وحقائق دامغة لا تترك مجالاً للتأويل والمسألة ليست مسألة عين سعادة فقط ولا لبنان كله بل قضية بيئية عالمية بامتياز... وحتى أكون عملياً أكثر سأبدأ ببلدتي صوفر حيث هناك محطة تحويل إلى 220 ألف فولت وتقع في منطقة سكنية!! وجدرانها تلامس جدران بعض الأبنية السكنية ومنها بيتنا الصيفي في صوفر!! ولنتحدّث بالأرقام ونبدأ بالبُعد الرسمي أن الدولة دفعت لأصحاب البيوت التي تقع تحت خطوط التوتّر العالي تعويضات بلغت المليارات من الليرات اللبنانية وهذا يعني عمليّأً الاعتراف الرسمي بخطورة التوتّر العالي وهناك أرقام وبيوت وأسماء وتواريخ لا يستطيع أحد التخلّص منها!! ونحن نتكلّم عن السبعينات حيث كل الناس في صوفر تحفظ هذا الملف الذي أخذ بُعده السياسي المحلّي بامتياز ووضعت المحطّة في منطقة سكنية بغية تدمير المحيط السكني الموجود!! وهناك بناية استملكتها الدولة وهناك الواقع المرعب الإحصائي التالي والذي يجب أن يأخذ حجمه على صعيد الوطن لتبيان مدى ضرر هذا النوع من التوتّر العالي وحتى بشكل قاعدة علمية إحصائية جديدة تشكل سلاحاً في يد العلماء المتخصصين في هذا المجال!! الحقائق هي التالية: على مدار شعابي يبلغ 2000 متر ووسطه محطة الكهرباء التحويلية هناك أكثر من مائة حالة وفاة بالسرطان وعلى مدار الثلاثين عاماً الأخيرة وإحدى الإصابات باللوكيميا إبنة حارس ومسؤول المحطّة التي كانت في العاشرة من عمرها! في بيتنا ثلاثة أفراد من أصل سبعة أصيبوا بالسرطان وتوفّاهم المولى عزّ وجل!! إنها حقائق لا يستطيع أن يُنكرها مطلق ساكن في صوفر وخاصّة عندما نعلمُ أنه وفي أحياء أخرى بعيدة عن المحطّة التحويلية لا ترقى أرقام مرض المصابين بالسرطان إلى ربع هذا العدد!!! ونعود إلى حجم هذا الموضوع بالبُعد العالمي:

1- عام 1992 كلف مجلس ولاية فيكتوريا في أوستراليا لجنة علميّة لكي تعدُّ تقريراً عن علاقة الحقول الكهرومغناطيسية بصحة الإنسان وكانت النتيجة بإيجاد طريقة جديدة لتوزيع الطاقة تراعي عدم تعريض السكان لحقول مغناطيسية عالية ونصحت بطمر الخطوط الناقلة للكهرباء تحت الأرض.
2- عام 2008 أصدر مجلس مدينة تورونتو الكندية تقريراً جاء فيه: "مع الأخذ بعين الاعتبار العلاقة بين التعرض للحقول المغناطيسية ومرض اللوكيميا عند الأطفال، فإن إتخاذ إجراءات وقائية على الأرض لتخفيف تعرُّض الأطفال هو إجراء متعقّل".
3- الدولة السويدية تضع رقم 2 ميغا واط كحدٍ آمن للحقل المغناطيسي وذلك كسياسة رسمية لخططها المستقبليّة، مما يعني أنّ كلّ الأطفال الجدد سوف لا يتعرضون لحقل مغناطيسي يزيد عن 2 ميغا واط.
4- في إيرلندا يجب أن تكون خطوط التوتُّر العالي بعيدة عن المنازل بما لا يقل عن 22 متراً.
5- دولة اللوكسمبورغ لا تسمح بتشييد أبنية جديدة على مقربة من خطوط التوتُّر العالي.
6- في إيطاليا حدود التعرُّض المسموحة يجب أن تكون بين 2 ميغاواط و20 ميغاواط حسب عدد ساعات الإقامة ونوعيّة مكان الإقامة خاصّة المنازل والمستشفيات ودور الحضانة.
7- عام 2009 أصدر البرلمان الأوروبي الذي يضمّ 27 دولة تقريراً جاء فيه: "ترك مسافة معقولة فاصلة بين خطوط التوتُّر العالي والمنازل القريبة والمدارس وطالب "بتطوير الدراسات التي تحدِّد المعايير الآمنة بالآمنة بالنسبة لخطوط التوتُّر العالي" وطالب "بحماية العمّال من خطر الحقول الكهرومغناطيسية وخاصة تلك الناتجة عن خطوط التوتُّر العالي".
8- وعلى أعلى المستويات العلميّة الأكاديميّة، أجريت دراسة مشتركة أعدها معهد بحوث السرطان البريطاني، والمعهد القومي الأميركي للسرطان، ومعهد كارولينسكاي السويدي، وقد خلصت الدراسة إلى وجود خطورة كبيرة على الإنسان إذا ما تعرّض أن سكن بالقرب من أسلاك كهرباء التوتّر العالي أو محطات تحويل الطّاقة الكهربائيّ 5".

وأثبتت الدراسة وجود علاقة بين التلوُّث الكهرومغناطيسي وإصابة العديد من الأطفال بتكسير حامض دي.ان.اي. وهو ما ينتج عنه تدمير خلايا الجسم وهو ما يعتبر سبباً كافياً للإصابة بالسرطان!! وبالأخص سرطان الدم!! وأشارت إلى أنه يجب ترك 50 متراً حول خطوط الضغط الكهربائي العالي كمنطقة أمان خالية.

 المواصفات الألمانية هي الأعلى في مجال الحماية من الحقول الكهرومغناطيسية فتحدد الحرم الصحي 127.5 متراً والروس 20 متراً فقط وفي الكويت 50 متراً وفي السودان 25 متراً!!

إننا وفي جمعية طبيعية بلا حدود نهيب بالحكومة من دولة الرئيس إلى سعادة الوزير المختص أن يرتكزوا إلى تكليف كلّ تفاصيل هذا المشروع إلى لجنة علمية متخصصة رائدة تضع حلاً نهائياً علمياً بعيداً عن ظلم الناس كل الناس... ومهما بلغت أهمية مد الخطوط الكهربائية فصحّة الإنسان وكرامة الإنسان أهم بما لا يُقاس...

خفّفوا من ثرثراتكم يا سادة وكثّفوا مساحات العدالة خدمة لاحترام الفرد! إن يد الله ألقت في قلب كلٍّ منّا حبّ’ خير فلنجعها تنمو وتترعرع لتتجسَّد أعمالاً تمحو البُطل والبؤس وتنثرُ الحقّ والخير...

يقول شارل بيغي: "كلُّ من لا يجاهر بالحقيقة، وهو يعرفها يشترك بالروح وبالفعل مع المنافقين والمزورين".

ويقول كمال جنبلاط: "إن القناعة بانتصار الحقيقة هي التي تجعلُ الحقيقة تنتصر في نفوس الآخرين"...

قرار الحكومة الأخير: "تنفيذ خطوط التوتُّر العالي بمواكبة أمنيّة لمنع الاحتجاجات" قرار ساقط حكماً لأنّه ضدّ المنطق، ضدّ العلم، ضدّ الحقيقة.

*رئيس جمعية طبيعة بلا حدود