انعكاسات «البريكست» ليست في الحسبان

بعد مرور ثلاث سنوات على استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكست) تكشَّفت أزمة سياسية بريطانية كبرى متفرعة عنه؛ وهي تسلُّل الشكوك إلى صفوف كل من الحزبين الرئيسين، أي حزب المحافظين الحاكم الذي تتزعمه رئيسة الوزراء تيريزا ماي، وحزب العمال المعارض الذي يترأسه جيريمي كوربن. ويكاد التباين بين مجموعة من النواب داخل كل من الحزبين يؤدي إلى شكل من أشكال الانشقاق، لأن عدداً كبيراً من نواب حزب المحافظين يتهمون زعيمته بالتحايُل في طريقة تطبيق خطة الخروج، بينما يتفاقم الخلاف على الضفة الأُخرى بين كوربن وعدد من نواب حزب العمال على خلفية المطالبة بإجراء استفتاء جديد على قانون البريكست، أملاً في إعادة التصويت ضده، وبالتالي إبقاء بريطانيا ضمن دول الاتحاد الأوروبي.

يوم الجمعة الـ 17 من مايو / أيار 2019 كان حاسماً لناحية فشل المفاوضات التي كانت تجري بين الحكومة البريطانية برئاسة ماي وبين حزب العمال برئاسة كوربن. وبينما اتهمت ماي حزب المحافظين بأنهم لا يملكون موقفاً موحداً من طلب إعادة الاستفتاء على البريكست؛ قال كوربن: إن الحكومة البريطانية ضعيفة وغير متماسكة ومترددة.

نقاط الخلاف بين الفريقين، أي بين حزب العمال وحزب المحافظين، تتركز على موضوع إعادة الاستفتاء على الخروج، كما يطالب حزب العمال، أو الإبقاء على الوحدة الجمركية مع الاتحاد الأوروبي حفاظاً على حقوق المستهلكين. وهذان الأمران ينسفان خطة تيريزا ماي بالكامل، إذا ما أُدرجا ضمن مشروعها الذي سيُعرض على مجلس العموم للتصويت عليه مجدداً بعد مطلع شهر يونيو / حزيران المقبل. وهذه الخطة كانت قد فشلت في الحصول على ثقة المجلس لثلاث مرات سابقاً. وعدم حصولها على ثقة مجلس العموم هذه المرة الأخيرة، يعني خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، ولهذا الأمر انعكاسات كبيرة، منها ما يمكن توقعه، ومنها انعكاسات لا يمكن التنبؤ بها.

تيريزا ماي أدخلت ضمن خطتها برنامج خروج من الحكم وتنازل عن رئاسة الوزراء خلال أشهر قليلة بعد عملية التصويت على الخطة. وهذا الموضوع أشعل صراعاً حاداً داخل حزب المحافظين على خلافتها بين عدد من الطامحين من نواب الحزب، كما أن الخلافات داخل حزب العمال تتفاقم على خلفية تأييد البعض منهم إعادة الاستفتاء على الخروج، في حين يريد البعض الآخر أن يُعدِّل من شروط خطة الخروج، كي لا تكون حادة، أو قاسية وتؤدي إلى انفصال بريطاني كامل عن دول الاتحاد. وحزب العمال يستفيد من الأجواء الشعبية الضاغطة، ومنها المؤيدة له في هذا الاتجاه. بينما يرفض عدد من نواب حزب المحافظين طريقة التفاوض على خطة الخروج، خوفاً من تجويف البريكست من مضمونه، بمعنى أن يكون خروجاً شكلياً، بينما إبقاء وحدة جمركية مع الاتحاد الأوروبي، كما يطالب حزب العمال؛ لا تعني استقلالاً بريطانياً كاملاً عن الاتحاد، وبذلك يكون الاستفتاء البريطاني قد أُجهض برأيهم، قبل أن يولد بالفعل.

وهناك مجموعة من العوامل التي تُسهم في تفاقُم الانعكاسات السياسية السلبية التي لم تكُن في الحسبان؛ ومنها العريضة التي وقعها أكثر من 70 من كبار رجال وسيدات الأعمال البريطانيين يطالبون فيها بالعمل على إعادة التصويت على البريكست، ويرون أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيؤدي إلى خسائر اقتصادية كبيرة تصيب بريطانيا، وسيُحاصر المنتوجات البريطانية التي قد تعاني من ركود، لأن الأسواق الأمريكية لا تكفي لتسويق كامل المنتجات البريطانية، ولا سيما في بعض المجالات، ومنها المجال الزراعي على سبيل المثال.
وعلى الجانب الآخر من الأزمة؛ تأتي مشكلة وجود أكثر من مليون بريطاني يقيمون في دول الاتحاد الأوروبي، وهؤلاء سيتأثرون إلى حدود كبيرة بعد بدء تطبيق البريكست، لأنهم سيكونون مجبرين على تأدية ضرائب مختلفة، كما أن قوانين الحماية الصحية والاجتماعية قد تحرمهم من بعض الضمانات. وهناك ما يزيد على ثلاثة ملايين مواطن من دول الاتحاد الأوروبي ال 27 يعيشون في بريطانيا، وهؤلاء قد يكونون عبئاً ضاغطاً لا مفرَّ منه. وإضافة إلى هذه المشكلات؛ هناك مشكلة الحدود بين مقاطعة أيرلندا (البريطانية) وجمهورية أيرلندا الشمالية المُستقلة والعضوة في الاتحاد الأوروبي، وما يُحيط بهذا التداخُل من تداعيات اجتماعية وسياسية وجغرافية وجمركية. ولا يبدو أن هناك تصوُّراً واضحاً لمواجهة هذه المُعضلات حتى الآن!