ثورة المليون شهيد والامل المنشود

عزت صافي |

عندما أعلن القصر الجمهوري في أعالي العاصمة الجزائرية إستقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لم تصدر أي إشارة مدنية أو عسكرية تشكك في صحة التوقيع على كتاب الإستقالة. فالرئيس المريض العاجز عن الحركة لم يكن يعلم ماذا يجري في القصر، أو في وزارة الدفاع، أو في ميادين البلاد، وفي العاصمة خصوصاً، وفي سائر الأقاليم عموماً.

وللمرة الاولى منذ عشرات السنين يغيب اسم "ضابط الأركان" المدعو "توفيق" عن مجرى الأحداث العسكرية والمدنية الذي كان مصدر القرار والإعلان عنه، سواء في قصر الرئاسة، أو في وزارة الدفاع. فالجنرال "توفيق" وإسمه الصحيح "محمد مدين" هو مدير المخابرات في الجيش وفي القصر الجمهوري، هذه كانت صفته العسكرية والسياسية، أما في السلطة وفي وزارة الدفاع، وفي القصر الجمهوري فهو الرأس...

...وأخيراً دخل مكتبه (وربما منزله) ضابط برتبة متوسطة على رأس ثلة عسكرية، وإقتادوه إلى الثكنة التي كان يستدعي إليها كبار المسؤولين، وكبار الضباط، فيتلو عليهم مضابط الاتهام والاحكام المسبقة قبل سوقهم إلى غرف الانفراد في معتقلات مجهولة العنوان.

وفي الوقت عينه كانت "العيون الثاقبة" و "الآذان المرهفة" تتابع حركات حاشية الرئيس المريض في "قصر المرادية" حيث كان "الرئيس المناوب" السعيد بوتفليقة شقيق الرئيس العاجز الذي ناب عنه شقيقه في توقيع إستقالته، والارجح من دون علم الرئيس، ومن دون معرفته ولو برمشة عين.

وفي الأثناء تتابع المحكمة العسكرية العليا إستدعاء بعض كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين للاستماع إلى افاداتهم في قضايا متراكمة وإختيارات متعددة فيخرج بعضهم ويبقى آخرون قيد التوقيف، ومنهم الشقيق السعيد بوتفليقة، ومديرا المخابرات سابقاً والجنرالان بشير طرطاق، ومحمد مدين الشهير بـ "توفيق"، وهم يواجهون تهمة التآمر على السلطة والجيش، ومعهم زعيمة "حزب اليسار" لويزة حنون، والبعض من هؤلاء موقوف منذ شهر تقريباً.

وكان رئيسان سابقان للحكومة (أحمد أو يحيى، وعبدالله سلال) قد مثلا أمام قاضي التحقيق للاستماع إلى إفادتهما.

هي أشهر صعبة مرت، حتى الآن، على الجزائر، والاعتصام ثابت في العاصمة والمناطق، ولم يبدأ القضاء العدلي بعد النظر في ملفات الفساد الإداري، والمالي، خصوصاً في مجالي النفط، والغاز، وأرقام المليارات المنهوبة، والمهربة إلى صناديق بنوك في دول لا تخضع لقوانين المراقبة والمحاسبة...

أما الأصعب فهو الوضع الذي سوف تستقر عليه الثورة الجزائرية الشعبية المدنية الحضارية التي إستحقت إحترام الدول والشعوب المتمدنة، وكأنها الجزء المتأخر والمكمل لثورة التحرير الاولى التي اندلعت، وانتصرت قبل أكثر من نصف قرن مضى... وكانت، ولا تزال، وهي باقية حية في ضمير العالم الحر، إلى أي أمة أو عرق إنتمى...
بلاد المليون شهيد
ثورة المليون شهيد
شعب المليون شهيد
هذه العناوين كانت تتصدر الصحف العربية في زمن الثورة الجزائرية خلال الستينات من القرن الماضي. وكانت هذه الصفات تطلق على مواكب تلك الثورة التي تكونت من رجال ونساء وكهول وفتية خرجوا من بيوتهم، ومن حقولهم وأحيائهم في المدن والارياف، بصرخة حرية وثأر من الاستعمار الفرنسي الذي دام قرناً وربع قرن.

وكانت ثورة مصر بقيادة جمال عبد الناصر في بداياتها، فتحول "حبيب الملايين" في البلاد العربية باتجاه تلك الثورة التي راحت تستقطب أفواج المجاهدين المندفعين إلى ساحات المواجهة في الجبال والمدن والصحارى، وفي أقل من ثماني سنوات إستطاعت دحر جيوش الدولة العظمى المستعمرة ببنادق فرسان "الاوراس"، والقنابل المصنوعة بأيدي عجائز الجزائر في الأرياف، وفي أحياء العاصمة، واشهرها "القصبة"، و"الأبيار"، و"باب الواد" و"القبة" و"بالكور"، وفي الأزقة والأرياف المتناثرة على مدى الجزائر، بلا اسماء ولا أرقام... وقد تحررت الجزائر، وتحولت أسماء أبطال ثورتها لوائح تختار منها الاجيال العربية أسماء لمواليدها...

لكن الشعب البطل الذي تحوّل مثالاً للشهادة والبطولة والنضال الوطني في العالم العربي، وفي دول وشعوب العالم الثالث، لم يتأخر في زمن الاستقلال حتى دخل في علة "العالم الثالث" الموبوء بالفساد، والحكم العسكري، والفقر، والتسلط، والحرمان من الحرية، ومن فرص النجاح والترقي، والعيش الكريم، خصوصاً ان الجزائر هي بلاد خيرات برية، وبحرية، وثروة غاز ونفط.

كان أحمد بن بلله الرئيس المدني الاول للجزائر الحرة، وبعده دخلت البلاد في حكم عسكري بلباس مدني، وبعد نصف قرن من الشعارات الثورية، والإصلاحية، خلال ستة عهود من الاستقلال "الوطني" والتراجع المدني، والإصلاحي، والسياسي، والاقتصادي، الانمائي، حتى الرئيس الاخير (عبد العزيز بوتفليقة) العاجز تحت وطأة المرض والعذاب، من جهة، ووطأة الفساد، والفشل الوطني، والإداري، من جهة اخرى...

وما بين ثورة هذا الزمن، وثورة ذلك الزمن، نحو ستة عقود مضت، والجزائر، بشعبها وأجيالها المتجددة، تمشي نحو الهدف المنشود، وطنياً ومدنياً، وحضارياً... ولا بد أن تبلغه...

...وتحية عربية من القلب...
إلى أولئك الأوائل الذين "هزوا السلاح... وطلعوا الجبل"... وما عادوا...