إدمون رزق رجل دولة بامتياز

20 أيار 2019 17:37:27

في نهاية ستينيات القرن الماضي كان المد الديمقراطي العلماني يرخي بظلاله على كافة التحركات المطلبية في قطاعي العمل والتربية وامتداداتهما على كامل الساحة اللبنانية، ففي سنة 1968 كان لحركة الشباب والطلاب في فرنسا تأثير عميق على الساحة اللبنانية وكان المتظاهرون يرفعون شعارات محقة لا تُزعج النظام قدر ما تبدو مريحة لأصحابها ومن أرقى مطالب ذلك الزمان على صعيد الطلاب:
1-    إلغاء العلامة اللاغية للغة الأجنبية في امتحانات البكالوريا- القسم الأول.
2-    توحيد الكتاب المدرسي الوطني.
3-    إنشاء الروابط الطلابية في الثانويات الرسمية لإقامة حوار ديمقراطي بين كافة الإتجاهات الطلابية ونشوء علاقة حوارية مع الإدارات والهيئات المشرفة.
4-    خفض الأقساط المدرسية في التعليم الثانوي الخاص.
يومها قدّم الطلاب في ربيع وخريف 1968 زهرتين منهما على مذبح المطالب المشروعة باْستشهاد الطالبين الثانويين إدوارد غنيمة في صور ومازن المرعبي في حلبا برصاص الدرك اللبناني.
لم تبت السلطة بأيٍ من هذه المطالب واكتفت بإنشاء الروابط الطلابية وفيما كان في سبعينيات ذلك الزمان من تنافس وصراع بين القوى الديمقراطية اليسارية وتشكيلات اليمين اللبناني حول كافة المطالب فلكلٍ رؤيته ولكلٍ أهدافه المعلنة في برامج أحزابه.
كنت أدرّس اللغة العربية في ثانوية مرجعيون الرسمية سنة 1974 وحتى يكتمل نصاب عملي في 20 ساعة كلّفني مدير الثانوية الأستاذ فايز غلمية بالإشراف بمعدل 3 ساعات على مجلة الحائط التي تديرها الرابطة وإقامة الحوار الداخلي واْختيار المقالات الإبداعية والإعلامية التي يحررها الطلاب بشكلٍ متوازن بين الآراء والأفكار، وكان طلاب اليسار الوطني بكافة تشكيلاته يحوزون أغلبية مقاعد الطلاب لذا فهم لديهم رزمة وفيرة من المناسبات والأحداث والجنوب يومها يعجّ بتأثيرات مجزرة عمال الريجي وعمال غندور والروزنامة حبلى بالدم وأصوات الشرفاء من عمّالٍ ومعلمي وطلاب لبنان فيما يكاد ينحسر الصوت الآخر.
أوغر هذا الميزان صدر طلاب اليمين وحاولوا جاهدين كسر الميزان لمصالحهم بتعطيل الإبرة يستندون في أفكارهم إلى ظن خاب يعتمد على وزير التربية الكتائبي الأستاذ إدمون رزق، فاْفتعلوا مشكلاً غير مبرر واْستدعوا بعضاً من رفاقهم لرشق الطلاب بالحجارة بسيارةٍ خاصة لتكبير الحدث، فاعتمدنا في الإدارة ومعها بعض الأساتذة من الإتجاه الآخر على منع طلابنا من الخروج واْستدعاء الدرك اللبناني لفض الخلاف وإبعاد المتوترين من الباحة المواجهة للثانوية سيما وأن مثل هذا الحدث يفسر يومها بالشجار الطائفي رغم أن طلاب اليسار يشكلون ما لا يقل عن 70 % من مجموع الطلاب وكذلك في تصنيف الأستاذة.
إثر هذا الهرج والمرج المفتعل عَقد مجلس التأديب في الثانوية إجتماعاً وأصدر قراراً بفصل الطالب مفتعل الحادث الذي لم يرقه الأمر  وأصرّ على تشويه صورة الإدارة بمديرها ونظارها وتطاول على بعض الأساتذة، فأوغر صدر قيادته التي لم تستطع إلا أن تنقل الموضوع إلى العاصمة بيروت حيث الوزير النشيط الذي شوهوا صورتنا عنده وأسهبوا في تضخيم الأمر وكأنه استهداف سياسي وطائفي.

بلغ الغيظ بمعاليه أشدّه وهاتف المدير متوعداً ولكن المدير تعامل مع معاليه بهدوءٍ ومسؤولية واتفقا على مخرجٍ تربوي.
في اليوم التالي وصل إلى الثانوية المفتشان التربويان الدكتور شفيق المعلم والدكتور رفعت طوط وأعدّا تقريراً مفصلاً عن الحادثة وأسبابها وحملا التوصيات إلى معالي الوزير وأثبتا بالحجة والبرهان أنّ المسؤولية يحملها أنصار حزبه بشهادة الأساتذة من مختلف الإتجاهات وهذا ما أخبرني به الأستاذ رفعت طوط الذي كان يشغل فيما بعد رئيس المركز التربوي للبحوث والإنماء بالوكالة سنة 1994 وكنت حينها مديراً لدار المعلمين والمعلمات في راشيا الوادي.
وجرياً على عادة اللبناني كنت تواصلت هاتفياً مع المرحوم الرفيق أنور الفطايري شارحاً تفاصيل الأمر والإستهداف الواضح لمسيرة الثانوية وكان جوابه رحمه الله أن الأمور ستتوضح ومعالي الوزير خلوق إستشاط غضباً بفعل الوشايات والأكاذيب.
في اليوم الثالث وبعد الإطلاع من المفتشَيْن التربويين على حقيقة الأمر رنّ جرس الهاتف في الثانوية وكان على الخط صاحب المعالي إدمون رزق فقدّم اْعتذاراً مهذباً ولطيفاً للمدير وللنظّار مؤكداً على أمرين:
1-    فصل الطالب الذي افتعل المشكلة.
2-    إبداء الإستعداد لزيارة الثانوية تقديراً لدورها وأساذتها.
هذه صورة رجل الدولة الذي مهما اختلفت معه في السياسة يعترف لك بحق الخلاف فهو وزير لكل لبنان وليس وزيراً لحزبه ينفذ تعليماته، تحية من القلب لمعالي الوزير اللبناني الكبير إدمون رزق وتحية إلى زملاء تلك المرحلة من الجديدة والخيام والقليعة وكل مقالع الجنوب الحبيب، وهكذا تُرسَم الصور اللبنانية لساداةٍ كرام حفظوا الوطن في قلوبهم وسطروا أروع آيات العمل الصادق من أجل حريته واستقلاله.
إمّا لماذا نبش التاريخ اليوم فيعود لأن ما تراه من انحدار وتبعية وسوقية في قيادة المجتمع لدى أركان الدولة لما يبعث على الخيبة من هواةٍ يتدثرون بالمال الحرام ويتلذذون بالكذب والتكاذب، فهل الأرض أصابها المحل والعقم فلا تستطيع إيلاد رجال قيم وعدلٍ ومساواة يضعون نصب أعينهم شعاراً واحداً هو: لبنان أولاً ولا ولاء خارج حدوده !!!
من جديد تحية لذلك الرعيل المتميز بالأخلاق والحكمة والقيم والمواطنية.
تحية لإدمون رزق.