في ذكراه الـ 44 فريد الأطرش يرتقي عن أغلب معاصريه

محمود الأحمدية |

في حديث قديم للمذيعة المصرية ليلى رستم التي كانت الملكة المتوجة في عالم الإعلام، وكان ذلك في مقابلة مع الموسيقار فريد الأطرش قال فيها حرفياً: "أتطلع إلى اليوم الذي تصبح موسيقانا الشرقية عالمية بامتياز وهذا اليوم لن يكون بعيداً... وتابع: ها هو فرانك بورسيل وبواسطة أوركسترا تربو على 150 عازفاً تعزف أربعة ألحان من ألحاني وقد طبعت على كاسيت، وها هي تباع في جميع الأسواق الأوروبية... وتابع فريد بشغف كم كنت سعيداً وللمرة الأولى عندما جاء إلي صديق كان في موسكو وقدّم إليّ هديّة هي الأغلى في حياتي: أسطوانة "يا زهرة في خيالي" يغنيها تروشين الروسي والتي اكتسحت الأسواق "السوفياتية" تلك الأيام، وقال لي بفخر: أستاذ فريد أسطوانتك تباع في أهم متجر للموسيقى في موسكو... وفي حديث آخر يقول فريد بإيمان كبير: "طالما العرب سبقوا العالم كلّه في ماضي الزمان بالطب والجبر والحساب لماذا لا يكررونها وبعد كل هذا التراجع بالموسيقى ويقتحمون العالم أجمع بموسيقاهم...".

وراحت الأيام ومضت السنين بسرعة مذهلة، وبعد نصف قرن من الزمن تتحقق نبوءة مدير الأولمبيا في باريس مسيو بيانكو في تلك الأيام عندما قال: بعد خمسين عاماً سينصف التاريخ فريد الأطرش.

ومسيو بيانكو كان مولعاً بالموسيقى الشرقية بشكل عام وبموسيقى فريد الأطرش بشكل خاص، ومشهور عنه تلك الحكاية الموثقة التي رواها عندما اجتمع بمجموعة من الملحنين العرب وفاجأهم بسؤال: بمن تأثرتم في مسيرتكم الفنية؟ وانهالت الأجوبة، منهم من قال: تشايكوفسكي ومنهم من قال بيتهوفن وصولاً إلى رحمانينوف إلى فردي إلى موزار إلى ليست. وهنا انتفض مسيو بيانكو مدير الأولمبيا قائلاً: يا أصدقائي العرب مشكلتكم هي حب المظاهر Snobisme أنا لا أفهم لماذا لم يُسمّ أحدكم فناناً عربياً وهل إذا قلنا بيتهوفن هذا يعني أننا أرقى... وأتعجب أكثر وأكثر عندما لا تذكرون اسم الموسيقار الاستثنائي العربي فريد الأطرش؟؟!

هل ينتقص من قيمتكم إذا ذكرتم اسمه وهو الذي اجتاز العالم كله بموسيقاه؟؟!

قصة أخرى أغرب من الخيال وكان ذلك منذ سنة وفي حديث مباشر مع إذاعة مونت كارلو في إمارة موناكو مع فريق عمل ولمدة ساعة على الهواء وكان موضوع حديثنا كتابي "فريد الأطرش العالمي نابغة عصره".

وقبل أن أنتهي من هذه المقابلة المسجلة والموثقة قال لي الأستاذ عاطف المدير المسؤول: سأضيف إلى معلوماتك أستاذ أحمدية معلومة جديدة تحمل صبغة العالمية على الموسيقار فريد الأطرش وهي التالية: "بناء لدعوة كريمة من رئيس بلدية فيينّا عاصمة النمسا لفريق عمل إذاعة مونت كارلو وبمهمة مزدوجة: إعلامية وسياحية لهذه المدينة الساحرة.

وفي المساء وأثناء حفلة العشاء وعلى طاولتنا وكانت وبدعوة أيضاً منه من تكريمنا، فاجأنا قائلاً: أغنية "ليالي الأنس في فيينّا" لأسمهان قرّبت بين الشعبين العربي والنمسوي أكثر من الـ 22 سفيراً عربياً مجتمعين في فيينّا؟؟

هذا الحديث وقع كالصاعقة وحل الاندهاش في الفريق الإذاعي... نعم ألحان فريد الأطرش وصوت اسمهان صنعا الفرق الإبداعي العالمي وبلسان الأجانب أنفسهم. وأترك هنا لمخيلتكم قرّائي الكرام أن تأخذ مداها لتكتشف مدى الظلم الذي يقع على مبدعينا وعباقرتنا والنوابغ بشكل عام وفريد الأطرش بشكل خاص!!

آخر ما أريد ذكره هو الأخبار السارة عن أحد أشهر مطربي ومبدعي فرنسا جورج موستاكي الذي يرتقي إلى مستويات جاك بريل العملاق الفرنسي ذي الأصول البلجيكية.
وجورج موستاكي استعان أولاً بأغنية "يا زهرة في خيالي" وغناها بالفرنسية تحت عنوان “Le pêeheur” وبأغنية ثانية "عش أنت" ومن شدة إعجابه بفريد الأطرش كان يرصع حفلاته المشهورة على الغيتار بهاتين الأغنيتين.

وبمناسبة الذكرى 44 لرحيل فريد الأطرش السؤال الذي يطرح نفسه على كل عربي ناطق بالضاد: "ماذا قدمتم لفريد الأطرش وأين كرمتم فريد الأطرش وأي شوارع عربية خلّدت اسمه وأي متاحف حملت اسمه وأي تماثيل جَسّدت قامته ولا عجب عندما ينبري المطرب الغوادلوبي نسبة إلى "الغوادلوب".

وأمام حشد يوازي 5000 شخص وأمام الرئيس الأسبق لفرنسا الرئيس ساركوزي في حفلة كانت برعايته ويطلب السماح منه وقبل بدء الريسيتال بالقول: "سيدي الرئيس أستمحيك عذراً وقبل أن أبدأ الريسيتال أن أحيي اسمين: ماريا كالاس إلهة الأوبرا وأعظم موسيقار في العالم فريد الأطرش".

أمة لا تقدر مبدعيها لا مكان لها تحت الشمس.

فريد في ذكراك الـ 44 ستبقى العالمي المتفرد بعالميته وترتقي سنة بعد سنة قيمة وقامة عن الأكثرية الساحقة من معاصريك.

*رئيس منتدى أصدقاء فريد الأطرش