العالم الرقمي

ألحان الجردي |

عند بداية اختراع الإنسان لوسائل التطوّر من آلات وأدوات تسهّل الحياة، كان يبتكرها إنطلاقاً من التركيبة الطبيعية لكل ما في الكون "تواصل – تسلسل"، فما من شيء منفصل في حدّ ذاته بل هو جزء من كلّ، وكذلك حال البشر والتركيبة الإنسانية، وعمل أعضاء الجسد وخلايا الدماغ ، حيث أنّ أي إنقطاع في التواصل والتسلسل في العمل الدماغي يترتّب عنه أمراض خطيرة تؤدي إلى خلل وموت، وأيضاً في الطبيعة فمن خلال دورة الفصول وارتباط العناصر الطبيعية " ماء – هواء – تراب " واتصالها بكل الأشكال اللازمة تنبعث الحياة، وعند حدوث أيّ خلل في هذا التواصل تظهر الكوارث الطبيعية.

من هنا كان من البديهي عند بداية الثورة الصناعية أن تكون تركيبة الآلة مشابهة لهذا النمط الطبيعي من التواصل والتسلسل، مثلاً فإنّ "الساعة" عند صناعتها للمرة الأولى كانت تركيبة متّصلة من العقارب التي تدور في مسار متواصل، إنما لاحقاً ظهرت الساعة الإلكترونية  المكوّنة من أرقام منفصلة وتعمل وفقاً لبرمجة رقميّة محدّدة.

ومع اجتياح العالم الرقمي "Digital" ظهرت خاصّية "الإنفصال"، فعند اختراع الهاتف وخطوط التواصل كانت قائمة على وصلات سلكيّة، ومع اكتشاف العالم اللاسلكي وظهور الحاسوب "Computer" ثمّ انتشار شبكة التواصل العالمي " الإنترنت" بات المفهوم الرقمي هو التركيبة الجديدة لكل الموجودات، فتراجع بشكل تلقائي النظام التسلسليّ ليحلّ مكانه نظام البرمجة الرقمية المنفصلة والذي يعمل وفق إستراتيجيّة محدّدة، وهذا النظام الذي يسود العالم اليوم مُغاير للتركيبة البشرية القائمة على التسلسل والتواصل، ورغم ذلك فهذا النظام الذي ابتدعه الإنسان بدأ يُلقي بخصائصة "المُبرمِجة والإنفصاليّة" على السِمات الإنسانية، حيث غاص الإنسان في العالم الرقمي وصار جزءاً لا يتجزّأ منه إن في الشكل أو المضمون.

إنّ عالم اللغة الذي جعل من البشر "إنسان" هو عالم متواصل في تركيب الأحرف والكلمات والجُمل، فكلّها سلسلة متّصلة في حلقات، بينما الأرقام هي رموز مجرّدة منفصلة لسِمات عدديّة  حسابية، بالتالي فمفاهيمها مُغايِرة لفلسفة اللغة التي كانت نتيجتها التواصل والإرتقاء عن مستوى الحيوان.

اليوم بدأت صفات العالم الرقمي تُلقي بظلالها على طبيعة الحياة الإنسانية والإجتماعية، فانتشر التفكّك الأسري والإنطواء وانقطاع العلاقات الإجتماعية، والصِلات الإنسانية كافّة، وظهرت كل أشكال الإضطرابات النفسية والسلوكية لدى الأولاد، والتي يُدرِك علماء النفس أنّ مصدرها الفراغ، وقلّة التواصل والإنغماس في عالم تكنولوجي إفتراضي لا يتوافق مع واقع الحياة الإنسانية، وزادت نسبة الجريمة الغير مُبرّرة، فالأسباب واهية مضطربة لا تمتّ إلى الطبيعيّة بصِلة، وباتت أهم أولويات أولادنا تنزيل أكبر عدد من الـ"Games" ولم يعد هناك وقت لأيّ شيء، فالكل مشغول على الدوام بأمور أغلبها "Digital" .

إنّ جميع هذه الأعراض المُتفاقمة في المجتمعات ما هي إلا  تَبِعات "الإنفصال" "وفك السلسلة الطبيعية" وإحلال البرمجة المحدّدة مكان التواصل والتتابُع بين المكوّنات الحياتية، وتحديدها في قوالب جامدة منفصلة "رقميّة" خالة من السِمات الإنسانية.