هكذا تمكّنت الشركات الخاصة من الصمود وسط الأزمات!

19 تشرين الأول 2022 07:23:11

أطاحت الأزمة المالية التي اجتاحت لبنان منذ نهاية العام 2019 بآلاف الشركات والمؤسسات الخاصة التي تنتمي الى قطاعات إقتصادية منتجة وخدماتية، ما تسبّب بتفاقم البطالة لدى الشباب اللبناني متجاوزة نسبة الـ50%. لكن مقابل تلك المشهدية السوداوية، جهدت مؤسسات عدّة ومنها صغيرة للبقاء ولا تزال صامدة لغاية اليوم متحدّية الصعوبات.

 

بلغت نسبة البطالة لدى الشباب وفقاً لتقرير منظمة العمل الدولية نسبة 47.8% في كانون الثاني 2022، ارتفاعاً من 23.3% بين العامين 2018 و2019، في حين أن معدل البطالة عموماً ارتفع بشكل كبير من 11.4% في العامين 2018-2019 إلى 29.6% في كانون الثاني المنصرم.

ودفع هذا الأمر الشباب الى اللجوء الى اقتصاد المعرفة الذي كان يشكل عامل صمود فضلاً عن الهجرة الإفتراضية، لكن ما لبثت أن تضاءلت تلك الوسيلة لتحقيق عائد بالعملة الصعبة بسبب تردي خدمة الإنترنت والإتصالات والبنى التحتية لا سيما تقنين الكهرباء حتى من المولدات الخاصة.

توازياً لجأ أرباب العمل الى البحث عن أطر ووسائل لزوم الصمود في الوسائل المتاحة، وسط أزمة وصفها البنك الدولي بين اشدّ ثلاث أزمات في العالم منذ قرابة الـ150 عاماً ولغاية اليوم، حتى أن بعض الاقتصاديين صنفوها بالاكثر قساوة، ما جعل من هذا الوقع مادة فريدة من نوعها لا بدّ من التوقّف عندها.

فالأزمة في لبنان تتألّف من مجموعة أزمات تواجدت معاً في آن واحد. وهي تتنوّع، كما يجمع الخبراء، بين أزمة اقتصادية، مالية، مصرفية وسياسية، أثقلتها جائحة كورونا وما تركته من تداعيات إقتصادية وإجتماعية على البلاد. تلاها انفجار بيروت الذي صُنف ثالث أكبر انفجار غير نووي في العالم اذ دمر قلب العاصمة جارفاً معه البشر والحجر بما فيها المؤسسات الخاصة.

بعدها اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية، فتركت تداعيات وخيمة على اقتصاديات الدول الناشئة والمتقدّمة مهدّدة الامن الطاقوي والغذائي، فكيف بالحري على البلدان النامية ولبنان تحديداً؟ وبذلك تشكّل أي أزمة من تلك الأزمات المذكورة تهديداً مباشراً للشركات الخاصة التي قد تشهر إفلاسها فكيف إذا حلّت تلك الأزمات ضيفاً في بلد واحد وفي آن واحد؟.

أسرار الصمود

رغم هذه الظروف القاهرة تعتبر قدرة الشركات اللبنانية على الوقوف بوجه الأزمات عملاً استثنائياً، ممّا استدعى البحث عن أسرار صمودها، فتضافرت جهود باحثين في كل من الجامعة اللبنانية الأميركية وجامعة القديس يوسف في بيروت والجامعة الأميركية في بيروت لحلّ هذا «اللغز».

وقاد الدكتور جوليان فارس بحثاً معقّداً بالشراكة مع الدكتور سامي صدقة والاستراتيجي في شؤون الإستثمار جهاد الحكيّم. وتناول البحث دراسة معمّقة استغرقت سنتين ونيّف من العمل الدؤوب، شملت شركات رائدة في مجالات عدة من بينها الترويج والإعلان، التكنولوجيا، الألبسة والتصميم، إدارة المهرجانات والتسلية والمطاعم، الصناعات الغذائية وصناعة الأجهزة الطبية وغيرها من الصناعات...

أسباب نجاح المؤسسات

وتبيّن من البحث أن أبرز أسباب صمود ونجاح الشركات اللبنانية تتلخص بثلاث نقاط:

1- الشركات التي تعنى بالصناعات الغذائية والمطاعم، كانت بين أكثر المتأثرين بالأزمة. رغم ذلك، تمكنت من التعافي جزئياً من خلال تدابير فورية بسيطة غير استراتيجية، تمثّلت بالحصول على التمويل المناسب من المساهمين والمساندة المالية من الأقارب والأصدقاء، إضافة إلى ولاء الموظفين الذين شاركوا بتحمّل الأعباء وتقدير الظروف التي تمر بها الشركة. فهذه «النخوة» اللبنانية هبت في النفوس مشكّلة فرادة يجدر التوقف عندها. كما أن المعنويات والتحفيز من قبل إدارة هذه الشركات شكّلا نقطة تحوّل وعامل صمود فريد، ناهيك عن تقليص النفقات بشكل فوري ومناسب.

2- أما الشركات التي تنضوي تحت التصميم والصناعات المختلفة، كانت آثار الأزمة على مواردها الاقتصادية وعملياتها محدودة إلى حد بعيد. فاستوعبت تداعيات الأزمة عبر تطوير الإمكانيات الموجودة لديها من خلال توسيع شبكة علاقاتها والتصدير، وزيادة الفعالية في التصنيع والانتاج، ناهيك عن تخفيض الكلفة بمؤازرة ودعم الموظفين.

3- الشركات التي تعنى بالتكنولوجيا، الترويج والإعلان كما إدارة المهرجانات والتسلية. فأبرز ما قامت به هو تطوير وتغيير جذري لنموذج عملها (Business Model) وإعادة الهيكلة. كما أنها لجأت إلى التحالف الإستراتيجي مع شركات أخرى، وتوسيع نطاق أعمالها في أسواق جديدة إضافة إلى تطوير الخدمات لديها. فبرهنت عن مرونة عالية باستيعاب الأزمة وانتقالها إلى وضعية أفضل مما كانت عليه سابقاً. وجاء نطاق هذا البحث تحت عنوان Exploring entrepreneurship resilience capabilities during Armageddon: a qualitative study ونشرته المجلة العلمية العالمية International Journal of Entrepreneurial Behavior & Research وهي من أبرز خمس مجلات عالمية محكمة في ريادة الأعمال مما ساهم برفع اسم لبنان عالياً، على الرغم من الظروف الحالية وغياب الموارد والإحاطة اللازمة لإنتاج مثل تلك الأبحاث.

إذاً، تعدّدت أسباب الأزمات وتنوّعت، لكن المثابرة على أداء عمل المؤسسات بهدف الاستمرار ولو في الأمد المنظور، شكّل بارقة أمل في زمن الإنهيار.