ما الذي يدفع بامرأة مسنّة إلى تقبيل يد جبران باسيل؟

بسام سامي ضو |

خلال حفل لتكتل "لبنان القوي"، صدمني المشهد التالي: وزير الخارجية والمغتربين في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل يصافح امرأة مسنّة، فتهمّ هي بتقبيل يده!

سيقول المدافعون عن باسيل أنه متواضع، بدليل أنه لم يسمح لامرأة في مثل سن والدته بتقبيل يده، إذ سرعان ما سحبها متمتماً بعبارات لم تُسمع، لكنها حكماً من نوع "أعوذ بالله، ولو ما بقبل"، كما فعل أمثاله ويفعلون.

ما أكتبه ليس موجهاً حصراً للوزير باسيل، فمثله كثر، سابقون وحاليون وأكاد أجزم لأقول بأسف "ومقبلون" أيضاً.
السؤال المعروفة الإجابة عنه هو: لماذا تُقدم امرأة مسنّة على تقبيل يد وزير أو نائب أو رئيس حكومة أو مسؤول أو موظف "كبير" في لبنان؟ الجواب بالطبع هو لأنه قدّم لها خدمةً نوعية أو عينية أو مالية، صغيرة أو كبيرة؛ لكن هذا لا يبرّر أبداً أن تتعامل معه أو مع سواه وكأنه "وليّ نعمتها"!

فما تراها تلك الخدمة التي نالتها هذه المرأة سوى طلب مساعدة مالية أو طبية، أو تأمين فرصة عمل لأحد أفراد عائلتها، وصولاً ربما إلى توفير الكهرباء لها بلا انقطاع، أو مياه خالية من التلوّث؟

هذه كلها "حقوق" من الطبيعي أن ينعم بها أيّ مواطن عادي، ومن واجبات مَن هم في موقع المسؤولية تأمينها، لكن أصحاب الشأن في لبنان يصرّون على جعلها "منحةً" لا يحظى بها سوى المحظيين ومن يرضى عليهم سلاطين السلطة، إذ يرون فيها فرصةً دائمة لهم لمزيدٍ من الإطباق على أعناق العباد والإمساك بزمام الأمور في البلاد.

ما يتجاهل هؤلاء "الكبار" الاعتراف به هو أن كلاً منهم ليس سوى "موظف" في "الدولة"، يحمل رتبة وزير أو نائب أو قاضٍ وما إلى ذلك، وتقضي وظيفته بأن يعمل ليل نهار لخدمة "المواطنين" من موقعه هذا، بلا منّة أو استعراض أو تجيير لشخصه الكريم؛ فلماذا إذاً تُجبر هذه المرأة وأمثالها على استجداء خدمةٍ ممن ينبغي أن يكونوا في خدمتهم؟ أليس نتيجة مفهوم خاطئ للسلطة وممارسة متخلفة لها من قِبل من يتبوأون مراكز في الدولة؟ أليس تكريساً لموقع "زعامة" واهية آلت إلى صاحبها في غفلةٍ من زمن أو ظرف، أو توارثها أباً عن جد، ويورثها إلى ابنٍ وحفيد؟ أليس تجسيداً لإقطاعيةٍ ينعم بها أصحاب السعادة والمعالي المبجلين، وينتشون بممارستها بسادية على أصحاب التعاسة الأزليين؟!

لا يقلق هؤلاء "الكبار" من أن تجد أيٌّ من أمهاتهم أو زوجاتهم أو بناتهم أو أي فردٍ من أسرتهم نفسه في موقفٍ مماثل، وفي الوقت ذاته يستمتعون برؤية الآخرين يقصدونهم استجداءً لحقٍّ لهم من خيرات الوطن التي صادروها ونهبوها وتقاسموها، مطمئنين إلى دوام إمساكهم بمقدرات الوطن واحتكارها، وتحكمهم بلقمة عيش المواطنين الذين يجدون أنفسهم ملزمين بتقديم الولاء والطاعة لهم، فيتحوّلون بالتالي إلى جيشٍ من المدافعين عن "وليّ نعمتهم"، يقبّلون يده ويدعون له بطول العمر، بالرغم من يقينهم بأنه (وشركاءه) السبب في ما آلت إليه أحوالهم، نتيجة مصادرتهم مؤسسات الدولة وشلّهم وتيرة عملها الطبيعي وحلولهم محلها.

متى يكف المواطنون عن اعتبار زعمائهم أنصاف آلهة، ويعون مسؤوليتهم وحقهم في المطالبة بنيلهم كامل حقوقهم، من دون استجداء ولا تقبيل أيادٍ؟

 


 
 
* صحافي لبناني- دبي