تبعات التمزق الوطني...هل انتهى العمل السياسي؟

رشيد حسن |

هناك نوع من التسليم الضمني الآن بأن الأقدار التي رسمت الحدود المناطقية أو الطائفية للقوى والزعامات السياسية اللبنانية لا يمكن ردّها، وان ما كُتِب قد كُتِب، ومثل هذا الاقتناع مُحبِط بالطبع ورادع ضمني لأي تفكير أو حراك يستهدف الإصلاح على مستوى البلد أو الوطن. لأن عملية الشَرذَمة التي استُكمِلت أشواطها أو مراحلها، خصوصا منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، جعلت كل طائفة أو قوة سياسية مهتمة بالدرجة الأولى بحماية وجودها و"حقوقها" ومكانتها أو ترتيبها في هرم النفوذ أو الحصص من كعكة السلطة.  وقد طغى هذا الهم على كل الأولويات الأخرى ودفع إلى أسفل السلم المشكلات الكبرى العديدة للبلد (وعلى رأسها بالطبع انكماش الاقتصاد والبطالة وبوادر الاهتزاز المالي) وكل هذه مشكلات ذات طابع وطني وعام وتحتاج بالتالي إلى حلول وطنية، لكن رغم ذلك يتضاءل شعور الإلحاح بشأنها وسط غبار الاستنفار الطائفي وتضييع الوقت الثمين في المناكفات البيزنطية.

أن إحدى النتائج الأساسية للتفكّك السياسي الحالي هو تراجع دور الحكومة اللبنانية كمؤسسة للحكم، أي كإطار تشاركي لوضع السياسات ومعالجة الأزمات والتخطيط الاستباقي، وإلى تجميد فعلى لدور المجلس النيابي وقيام "حكم الوزراء" وشيوع الفساد وتغييب هيئات الرقابة ثم اختزال المؤسسات في حلقة صغيرة من أشخاص يعملون بعيدا عن أي مساءلة.  صحيح أن الأزمة الاقتصادية التي يعيشها البلد لها أسبابها الموضوعية مثل الركود الخليجي وتراجع قدرة الدولة على الإنفاق الاستثماري وأزمات المنطقة وتراجع تحويلات اللبنانيين وتراجع الدخل السياحي، لكن لا يمكن في الوقت نفسه إلا وضع اللوم الأكبر عن الوضع الحالي على تدهور النظام السياسي نفسه وحالة الانقسام والشلل وتردي الكفاءة السياسية.

لكن النتيجة الأهم للتفكك السياسي والاستقطابات الطائفية ليست فقط في تآكل هيكل الدولة بل هي أيضا زوال المجال الوطني وانقطاع التواصل الفعلي بين اللبنانيين كمجتمع وكرأي عام حول قضايا عامة.  ومثل هذا الوضع يطرح على القوى السياسية إشكالات جديدة وغير مسبوقة مثل: كيف يمكن، في ظل التمزق الحالي، التأسيس لعمل سياسي تقدمي أو خلق معارضة شعبية أو تحالف واسع حول برنامج سياسي إصلاحي أو مجرّد قضية أو ملف مطلبي؟ وإذا كانت الأحزاب الأساسية منشغلة بالمسائل الجزئية لتقاسم السلطة أو مستغرقة في همومها المباشرة، فمن هي الجهة الوازنة التي يمكن أن توفر قوة التعويض عن هذا الشلل أو شغل الفراغ؟

إن المثال التقليدي للعمل السياسي في الأنظمة الديمقراطية أو البرلمانية هو وجود حزبين أو أكثر يمثل كل منها خيارات سياسية مختلفة عن خيارات الأطراف المنافسة، أما في لبنان فلا وجود الآن لهذا التوزيع في الأدوار بل اختلاط تام يجعل من الصعب الإشارة إلى أي قوة سياسية ذات تمثيل وطني باعتبارها "الخيار الآخر" أو محور تجميع جواب سياسي وطني على الأزمات الخانقة التي تضرب البلد.

للأسباب السابقة يمكن أن نفهم لماذا تعيش القوى التقدمية غير البرلمانية (مثل أحزاب اليسار أو بعض الشخصيات التقدمية أو العلمانية) أزمة دور وشعور متزايد بالهامشية، كما يمكن أن نفهم في الوقت نفسه لماذا اختارت هذه القوى عن اقتناع (أو عن تسليم بالأمر الواقع) التخلي عن أي طموح لعمل مستقل أو الالتحاق بالقوى السياسية الموجودة، إذ أنها وجدت في الخيار الأخير السبيل الوحيد للحفاظ على بعض الفعل أو ما يشبه الدور.  

في ظلّ هذه الظروف فإن التطلع لقيام عمل جبهوي أو تحالفات اجتماعية-سياسية واسعة حول برنامج أو أهداف إصلاحية خرج من قائمة الطموحات السياسية تاركا المجال لاختصار الصراع كله بالتنافس على مواقع السلطة التي أفرغ الكثير منها على أي حال من أي معنى أو دور. 

لكن ما يبدو الآن أنه جمود شبه تام في مبادرات العمل الشعبي (المنظّم وليس الغوغائي) ليس في الحقيقة دليلاً على نضوب الفرص أو غياب القوى الفاعلة القادرة على التعاون من أجل قضية مشتركة، بل هو دليل على أن القوى المتقدمة التي يمكنها أخذ المبادرة لتحريك المستنقع باتت مستهلكة في مواقف الدفاع ولا تبدو راغبة في مغادرة الأمن النسبي للتحشّدات الطائفية أو المحلية والمجازفة بالتالي بالخروج مجددا إلى  الفضاء الواسع للعمل الوطني السياسي والاجتماعي.

فما العمل في هذه الحال؟