التاريخ سيكتب عن منجزاته!

16 أيار 2019 22:55:00 - آخر تحديث: 16 أيار 2019 22:55:55

قد لا يكون لبنان، الذي يحتفل العام المقبل بمئوية ولادته، شهد الكثير من رجال الدولة. قلائل الذين تركوا بصماتهم في الحياة الوطنية والسياسية. وهذا، إن دل على شيء يدل، على تعثر النظام السياسي اللبناني وإشكالياته الطائفية التي ولدت الحواجز بين اللبنانيين وفرقت بينهم، فإذ بهذه الفرقة تنفجر في دوي المدافع وأزيز الرصاص في حقبة الحرب، وتتمظهر في التعطل المؤسساتي في حقبة السلم. ولكن الانقسام هو هو، ولو إختلفت أثمانه أو طرق تسديد تلك الأثمان.

وإذا كان صعباً على بعض القوى السياسية تجاوز الحواجز السياسية والطائفية والمذهبية التي انتصبت بين اللبنانيين بفعل الخلاف على الثوابت الوطنية وإشكاليات الهوية المركبة وتعدد الولاءات والانتماءات في الداخل والخارج، أو بفعل الاعتبارات المصلحية والانتخابية والظرفية؛ إلا أنه من الأصعب لرجل دين يحتل كرسي البطريركية المارونية أن يجتاز كل هذه العوائق داعياً لتحليق لبنان بجناحي المسيحي والمسلم.

البطريرك السادس والسبعون كرس معادلات سياسية وعدل في موازين قوى دون أن يملك طلقة رصاص بل كان كل ما إمتلكه هو حرية الرأي وسلاح الكلمة. بثبات وعناد وإصرار، واجه الوصاية السورية بعد زوال الإحتلال الإسرائيلي دون مواربة أو مراعاة، ودون تجريح واهانات، فهو الذي دعا إلى خروج "مشرف" للقوات السورية في أوج الغضب الشعبي بعيد إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وإنطلاق إنتفاضة الإستقلال السلمية والديمقراطية من منزل وليد جنبلاط في كليمنصو، فكانت الثورة... ثورة 14 آذار.

التاريخ وحده سيحكم عن الأسباب الكامنة لإجهاض الثورة، أو أقله لعدم إكتمالها وتحولها إلى "نصف ثورة"، ولكن التاريخ سينصف البطريرك الذي تحولت معه بكركي إلى مرجعية وطنية تحضن كل من تجرأ على قول الحق في وجه الظلم وطلب الحرية في وجه الإذلال. والتاريخ سيكتب عن صلابة البطريرك ودوره وعزمه وإصراره على مواجهة الأعاصير السياسية بحزم وعناد.

لقد صنع البطريرك الراحل الكثير من المنجزات وفي طليعتها المصالحة التاريخية مع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط سنة 2001 التي أعيد تكريسها سنة 2016 مع البطريرك الراعي حفاظاً على التعددية والتنوع في الجبل كما أرادها دائما وليد جنبلاط.

سنة 1977، استشهد رئيس الحركة الوطنية اللبنانية كمال جنبلاط لأنه رفض إسقاط القرار الوطني اللبناني والدخول إلى السجن العربي الكبير كما أسماه.

والبطريرك صفير رفض إسقاط القرار الوطني اللبناني المستقل وعبر على طريقته على كيفية الوصول إلى هذا الإستقلال التام والناجز والنهائي كما كان يؤكد ويكرر دوماً دون تحفظ أو محاباة.

لقد إجتاز البطريرك حدود الطوائف، رغم موقعة الديني، فاعطى مثالا حياً كيف يمكن أن يكون الدين جسر عبور نحو الشرائح الإجتماعية المختلفة بالممارسة بما يعكس الإنفتاح والحوار مع الآخر، فالإيمان لا يعني التقوقع والانغلاق، وممارسة الطقوس والشعائر الدينية حق يكلفه الدستور. وعلى عكس السائد، تكريس حرية المعتقد، كما حرية الرأي، يعزز العيش المشترك ولا يعطله.

سوف تستذكر الأجيال القادمة مآثر هذا الرجل الكبير ودوره الوطني الهام في حقبة مفصلية من تاريخ لبنان المعاصر. رحم الله بطريرك الإستقلال.