شهر اليمن والبركات مارونيٌّ بامتياز

عبير شرّوف |

بعدما كنّا قد أوشكنا العبور إلى شاطئ المدنيّة والوطنيّة ودفن مفردات الحرب والطّوائف في بحر الموت، وبعد إنتاج طبقة علمانيّة ولو كانت لا تزال طريّة، ظنننّا أن ما حصل من مواقف وقرارات واتّفاقات تتناول الحقوق من الأبواب الدّينيّة الواسعة، أصبح في قعر البحر وطيّ النّسيان ولن نصادفه إلّا إذا غصنا عميقاً في صفحات المؤرّخين العتيقة وكما تعلمون ليس من قرّاء! الجميع في لبنان اليوم يتكلّم عن البطالة وتخفيض الرّواتب وجمود الأسواق، ويترقّب الفرج كما يترقّب العلماء رؤية الهلال، مع موازنةٍ علّها تدفق علينا أموال سيدر. في خضمّ هذه الأجواء المغبرّة وساعات ما قبل العاصفة إن كان لا بدّ منها، وإذ يأتينا خبر رحيل رجل دين مارونيّ من كبار القوم لا بل أكبره! وإذ بهذا الرّجل هو كاردينال وبطريرك أنطاكيا وسائر المشرق مار نصرالله بطرس صفير، وهو الذي كان له باعٌ طويل ودورٌ فعّال بُنِي عليه اتّفاق الطّائف الذي وإن سلب المسيحيّين بعضاً من حقوقهم لكنّه وفّر ما تبقّى من دمٍ في عروق الشّباب والأطفال والخليقة جمعاء. وإذ بهذا الرّجل أيضاً لعب دوراً آخر وهو جلاء الجيش السّوريّ من لبنان والحدّ من هيمنة القرار السّوريّ السياسي أيضاً. ولكن وها قد أصبح عمر لبنان أربعة عشر عام من الاستقلال الثّاني كما يسمّونه وبعد دخول حزب الله في الحكومة وبقوّة، أصبحت تلوح في الأفق ملامح تفعيل العلاقات مجدّدا بين لبنان وسوريا بالرّغم من الوعكة الصّحّيّة التي أصابت الجسد السّوري على مدى سنين ولا تزال جرّاء المرض العضال الذي حمله معه نسيم الرّبيع العربيّ والذي ابتدأ في تونس وتغلغل في مختلف الدّول العربيّة وصولاً إلى سوريا التي كانت لها المناعة الأقوى، مستعينةً بالجناح الغربيّ المعاند أي روسيا. لم يصل النّسيم العربيّ إلى لبنان ولكن بعد أربعة عشر عام من الاستقلال الثّاني تلفّ لبنان رائحة من نسيم المجهول ويغيب البطرك قلقاً على ضياع لبنان. لذا وإبّان حياته وهو في كامل رشده وعقله وبعد استشعاره بخيبة أمل كبيرة بعد النّضال الطّويل، استقال من منصبه وكانت قد أحبطت الانقسامات المسيحيّة آماله في صنع لبنان سيّداً حرّاً مستقلّاً. بقي البطرك يعيّد الاستقلال منقوصاً كما قال يحلم بليلة اكتماله وإشعاعه بدراً، ولكنّ ليالي معظم أفراد الرّابع عشر من آذار الملاح وانشغالهم في تجميع الثّروات حالت دون تحقيق الحلم في حين كان الطّرف الآخر وهو ما يُسمّى بالممانعة يسهر لياليه في التّخطيط السّياسيّ والعسكريّ.  استقال البطرك حينذاك في العام 2011 علّه يحفظ تمسّكه الشّخصيّ بمبادئه التي لا يقبل أن يقهرها طمع مسيحيٍّ ولا سلطة شيعيٍّ ولا ترف سنيّ ولا مراجل درزيّ!. 

قبل أن يبلغ قمر رمضان الكريم نصف الدّائرة وتحديداً عند تربيعه الأوّل، وفي انشغال الصّائمين وغير الصّائمين في متابعة البرامج والمسلسلات التلفزيونيّة الرّمضانيّة، وإذ يأتي رحيل ذاك الكبير أعلاه ليقطع على المنظّمين الإعلاميّين مخطّطاتهم الرّمضانيّة ويغّير أمام المشاهدين المترقِّبين لون ونكهة شاشاتهم! وعوضاً عن الفاصل الذي يهلّل لرمضان وخلّي رمضان عنّا وغيرها وعوض رؤية القمر والقناديل على الشّاشات بين الآونة والأخرى، تبدّلت الحال تلقائيّا لنسمع شعارات قيّمة وتاريخيّة للبطرك صفير وإطلالاتٍ دينيّة ومهيبة له، ورويداً تشعر وكأنّك في شهر ميلاد المسيح عليه السّلام وتنتظر عيد الميلاد المجيد وليس عيد الفطر السّعيد! 

هذه القراءة تعلمنا أنه حتى لو بعد عشرات السّنين، لم ولن تنتهِ لغة الطّوائف من لبنان. ففي وفاة البطرك راعي المصالحة والدّاعي إلى الحريّة، لم نسمع شيئاً عن المصالحة والحريّة، بل كل المحلّلين أَيقظوا واستحضروا الماضي البغيض بعد أن كنّا ننعم بنسيانه، فأعادوه إلى أذهاننا ورسموه أمام أعيننا وضعونا تلقائيّاً في حالةٍ من التّحليل معهم والوقوف طرفاً من دون قصد!

وهذه القراءة تخبرنا أيضاً أن لهذا الرّجل قدراً عظيماً ومركزاً رفيعاً. فهو الذي قال عندما كان حيّاً أن لبنان له ماضٍ وتاريخ ومستقبل، وترانا نراه حتّى عند موته يصنع حاضراً جديداً مسيحيّاً بامتياز وذلك في شهر اليمن البركات. وأتوقّع أن رحيله سيولّد مشاعر جديدة عند الكثيرين من شأنها أن تغيّر كثيراً في المستقبل الآتي! 

رحم الله بطرك أنطاكيا وسائر المشرق مار نصرالله بطرس صفير ورفعه إلى دنيا الخلود ورفع لبنان إلى دنيا الأمان والصّمود.