التباعد الفرنسي-السعودي يتّسع رئاسياً.. و"العطب الذاتي" يحاصر السنّة

01 تشرين الأول 2022 07:54:59 - آخر تحديث: 01 تشرين الأول 2022 08:36:14

لم يعد من مجال للشك في الاختلاف السياسي بين الرؤيتين السعودية والفرنسية تجاه لبنان، وهذا لا يمكن اغفاله. إذ على الرغم من كل بيانات التنسيق، والاجتماعات واللقاءات التي تعقد في بيروت أو باريس أو الرياض، أو غيرها، وفي ضوء برنامج المساعدات الإنسانية المشترك بين الطرفين، يبقى الاختلاف السياسي قائماً، ويتجلى أكثر فأكثر عند كل استحقاق، وآخرها حيال جلسة انتخاب رئيس الجمهورية. إذ أن الفرنسيين كانوا يدعمون بشكل واضح تسمية سليم إده للرئاسة. وهذا حصل بناء على تنسيق بينهم وبين نواب التغيير، فيما السفير السعودي وليد البخاري أراد دعم رئيس حركة الاستقلال ميشال معوض.

ما يفرّق وما يجمع
تبقى هذه الاختلافات تبقى في إطار التفاصيل ضمن الإطار الإستراتيجي العام لكل من البلدين. ولكن هذا ليس الخلاف أو الاختلاف الأول بينهما. يعود الخلاف إلى لحظة إطلاق المبادرة الفرنسية من قبل الرئيس إيمانويل ماكرون. في حينها لم توافق عليها السعودية ولم تمنحها الغطاء. وعلى وقع الدور السعودي الفرنسي المشترك والمختلف في آن، تبدو الولايات المتحدة الأميركية خارج كل هذه السياقات. فهي تلتقي مع السعودية في مكان وتختلف في مكان آخر. بعد إطلاق المبادرة الفرنسية، كان هناك التقاء سعودي أميركي على رفضها في مقابل تجويف إيراني لها. وهذا ما حصل. بعد انتخاب جو بايدن وتسلمه الإدارة الأميركية، نجح الفرنسيون في الحصول على موقف أميركي داعم لهم في لبنان أو يفوضهم الساحة، لكنه تفويض لا يرقى إلى اتخاذ القرار الاستراتيجي، إنما يندرج في سياق لعب باريس دوراً في لبنان موازياً للدور الذي تلعبه في تقريب وجهات النظر حول الاتفاق النووي، لا أكثر.

قبل أيام، صدر بيان سعودي أميركي فرنسي مشترك حول الالتزام باتفاق الطائف والقرارات الدولية. وهذا يفترض أن يؤدي إلى تفاهم سياسي واستراتيجي بين الدول الثلاث، إلا أن ذلك لم يحصل، فقد تجلى الخلاف سريعاً في جلسة الانتخاب. بينما الأميركيون لا يعيرون أي اهتمام لهذه التفاصيل بهذه المرحلة. فلدى سؤالهم عن موقفهم، يعتبرون أن هذه مهمة اللبنانيين وواشنطن لا تضع فيتو على أحد. ما يعني ترك الساحة اللبنانية مفتوحة على كل الاحتمالات. أما على الصعيد السعودي الفرنسي، فعلى الرغم من البيان إلا أن لا التقاء بينهما. باريس تعتبر أن حزب الله جزء من لبنان ولا يمكن تجاوزه، فيما السعودية ترفض ذلك. باريس تؤيد العقد الاجتماعي الجديد أو البحث في تسوية وإن طالت مرتكزات النظام والطائف، فيما السعودية تتمسك بالطائف والقرارات الدولية، وتلتزم بموقفها الذي يريد إيجاد حل لمشكلة حزب الله داخلياً وخارجياً.

في الانتخابات والحكومة
هنا ثمة من يعتبر أن الاستدراج الفرنسي للسعودية والإصرار على المشاركة في برنامج المساعدات، بالإضافة إلى الانخراط في لعبة الانتخابات النيابية، كان يهدف إلى إعادة توفير الغطاء لكل القوى السياسية في لبنان، بما فيها حزب الله. بينما السعودية لم تكن متحمسة لذلك، إلا أنها عادت وانخرطت بشكل متأخر، فيما كان هناك من يعتبر أن المنهجية الفرنسية في دفع السعودية إلى الداخل ستؤدي إلى خدمة حزب الله في النهاية، في حال استمر السنّة بحالة تضعضع ولم يتم انتاج استراتيجية واضحة قابلة للحياة. جزء من هذا التضعضع انعكس في الجلسة الانتخابية، خصوصاً أنها جاءت بعد اجتماع دار الفتوى واجتماع النواب السنة لدى السفير السعودي.

من مكامن الخلافات أيضاً بين الطرفين، مسألة ترؤس نجيب ميقاتي للحكومة. فبعد الانتخابات كانت السعودية رافضة بشكل قاطع تكليف نجيب ميقاتي، فيما الفرنسيون عملوا بكل جهدهم لتسميته، وقد هددوا بعض الشخصيات بفرض عقوبات ما لم يصوتوا لميقاتي في استشارات التكليف. استمر الخلاف أيضاً في اللقاءات الأخيرة بين الفرنسيين والسعوديين حول تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات. إذ أن الفرنسيين يستمرون بدعم ميقاتي، وهذا ما يرفضه السعوديون.

"الساحة السنّية"
تبقى المشكلة الأكبر هي واقع الساحة السنية. وهي مشكلة جذرية وعميقة لها بعدان، بعد يتعلّق بالسنّة أنفسهم، إذ لا يبدون قادرين أو مستعدين لإنتاج رؤية سياسية أو تنظيم سياسي بالحدّ الأدنى، ولا حتى قادرين مثلاً على استعادة سعد الحريري وتيار المستقبل. فيما عدد من النواب السنّة الذين فازوا في الانتخابات يقولون علناً إنهم بحاجة إلى تلقي مبالغ مالية لحسم وجهة تصويتهم وقراراتهم، بما أنهم تكلفوا مبالغ باهظة في الانتخابات! وهذا جزء من العطب الذاتي. أما البعد الثاني، فيتعلق أيضاً بآلية التعاطي السعودي مع الساحة السنّية، منذ أيام سعد الحريري إلى الآن، وسط غياب رؤية واضحة لآلية التعاطي وغياب أي قدرة تنظيمية لتوفير الحضور المركّز، بدلاً من التعامل مع الاستحقاقات على القطعة او مع كل نائب بشكل منفرد.