مار نصرالله بطرس صفير: بطريرك العنفوان الوطني

عزيز المتني |

سوف يكتب الكثير الكثير عن المثلث الرحمة مار نصرالله بطرس صفير: بطريرك الاستقلال الثاني في لبنان، بطريرك المصالحة والسلام الحقيقي والوحدة الوطنية الشعبية بين اللبنانيين: وحدة الوطن أرضاً وشعباً ومؤسسات. وأخيراً اللقب الذي أحببت وأحبّ ان أطلقه عليه وهو: رمز العنفوان الوطني.

هذه القامة الوطنية الصلبة، الشامخة، المتجردة والمتواضعة، المتشبثة بكل مبادئها وقناعاتها وثوابتها. رجل الحوار الوطني والانفتاح وقبول الآخر والاعتراف بالآخر. رجل التمسك بلبنان وطناً للإنسان لا حانوتاً للعصبيات والتعصّب والاعتصاب وهي آفة الدين والدنيا في كل زمان ومكان.

عرفته عن قرب، وكنت أشاهده كل يوم طوال خمسة أشهر من ربيع وصيف سنة 1958 يوم استضاف سيد بكركي البطريرك مار بولس بطرس المعوشي خالي الصحافي توفيق المتني في الصرح البطريركي ضيفاً معززاً مكرماً في حمى الدار الوطنية الشامخة هرباً من ظلم وتعسف ومحاولة مصادرة الحريات التي هي أغلى ما يؤمن به اللبنانيون ويتمسكون به حتى حدود التضحية والفداء.

عيّنه البطريرك المعوشي يومها أميناً لسر البطريركية المارونية، وكان لا زال كاهناً يمارس مهنة التعليم في مدرسة المرسلين اللبنانيين في جونيه. ما عُرف عنه يومها أنه يحفظ مئات ابيات الشعر وينشدها ويرددها ومنها هذه الأبيات لشاعر لبنان الكبير ابن الدامور وديع شديد عقل:

وطن قنعت به ولو عبث الردى
بأسوده، وقضى على أشباله
أحببته ودياره مأنوسة
واحبه في وحشة من آله
لو جاء فخرالدين يشهد حاله
لبكى عليه وجدّ في استنكاره
أو ردّدت أخبار ما فيه
على قبر الشهاب لضجّ من أخباره

أما أول إنجاز للخوري صفير في البطريركية فهو انه اعاد تجديد المكتبة وتجليد الكتب ومحفوظاتها ومخطوطاتها وتوثيقها، وهي كانت مهددة بالتلف على ما روى لنا وأكد.
وما أذكره جيداً أنني قصدته سنة 1959، وبعد أشهر من تولي إدارة التحرير في "الأنباء". وكنا نعدّ لدراسة وتحقيق عن إبن بلدة البطريرك صفير ريفون، البيطري الثائر طانيوس شاهين.

سألته عن بعض الوثائق والمحفوظات التي تتعلق بتلك الحقبة التاريخية المهمة سنة 1858 وما قبلها وما بعدها... وكان البطريرك الماروني في تلك الحقبة هو البطريرك من قلب كسروان... وعن دور البطريرك مسعد وعلاقته بيوسف كرم ابن زغرتا وإهدن الذي لعب دوراً بارزاً في قمع ثورة طانيوس شاهين ووضع حد لها... ابتسم وقال: وما أدراك أننا نملك مثل هذه الوثائق؟ فقلت: معلوماتي تؤكد ذلك... فابتسم واستجاب ووضع في تصرفي ما تضمه المكتبة البطريركية من وثائق...

وقال لي: يمكنك ان تطلّع عليها وان تقتبس منها ما يفيدك. واضاف: لكن التصوير ممنوع، وشدد على ذلك.
زرت المكتبة مرتين أو ثلاث مرات لانجاز المهمة. لكن فضولي الصحفي وطمعي ربما في تحقيق سبق صحفي من خلال تأكيد المعلومات بالصورة الموثقة أوقعاني في التجربة... فصوّرت بعض المخطوطات ونشرت الصور فاستاء الرجل لكنه كان محباً ومسامحاً في نهاية المطاف...

أحبّ البطريرك المعوشي الذي كان ذا مهابة وقامة مديدة وطلّة بهيّة، أحبّ الخوري نصرالله صفير فرقّاه الى رتبة الاسقفية مطلع الستينات من القرن الماضي وعيّنه نائباً بطريركياً واسقفا على أبرشيه جبيل وتوابعها.

لكن اقامة المطران صفير بقيت في بكركي الى جانب البطريرك، وهو أقام في الصرح البطريركي مدة 65 سنة، أي من النصف الثاني من الخمسينات من القرن العشرين وحتى تاريخ وفاته في 13 أيّار 2019.

زرت الصرح البطريركي مرات عديدة في الستينات من القرن الماضي برفقة كمال جنبلاط الذي ربطته بالبطريرك المعوشي صداقة مميزة ومحبة وتقدير متبادلين. وكان المطران صفير يشارك في استقبال كمال جنبلاط، والمح في عينيه بريق محبة وتقدير لكمال جنبلاط ولدوره في الحكم في خدمة لبنان وقضايا شعبه وبناء مؤسسات الدولة في العهد الشهابي.

انتخب المطران نصرالله صفير بطريركاً لانطاكية وسائر المشرق للطائفة المارونية في النصف الثاني من السبعينات. وكانت ثوابته وقناعاته تؤكد على ضرورة الحفاظ عى وحدة لبنان أرضاً وشعباً ومؤسسات، وعلى ضرورة استمرار الحوار والتلاقي بين قياداته وعائلاته الروحية المسيحية والمسلمة، فدعا الى أكثر من قمة روحية مسيحية إسلامية شارك فيها المفتي حسن خالد والامام محمد مهدي شمس الدين وشيخ العقل الشيخ محمد أبوشقرا وقد ربطتهم بالبطريرك صفير علاقات موّدة ومحبة وتقدير متبادلة.

ونصل إلى شهر أيلول من سنة 2000 عندما أطلقت بكركي نداء المطارنة الموارنة التاريخي الذي دعا الى ضرورة إنسحاب قوات الجيش السوري من الأراضي اللبنانية كافة واستعادة لبنان الوطن والدولة سيادته الكاملة على أرضه وحدوده وقراره الوطني المستقل.

ولاقى وليد جنبلاط البطريرك والمطارنة، فدعا الى إعادة تموضع القوات السورية في البقاع تنفيذاً لبنود إتفاق الطائف الذي اصبح دستوراً للدولة اللبنانية، فكان التخوين وحملة التجني والتهديد...

يوم السبت الرابع من شهر آب سنة 2001 كان يوم المصالحة التاريخية في الجبل، وحلّ البطريرك صفير ضيفاً على وليد جنبلاط ودار المختارة وعلى أهالي الجبل لبناء مداميك المحبة والسلام والتلاقي والحوار الأخوي، ولإعادة صياغة العيش المشترك القائم على الاحترام المتبادل والتعددية والتمسك بقيم الحق والخير والحرية والإخاء الوطني والعنفوان الوطني.

وفتحت صفحة جديدة في تاريخ الجبل ولبنان تبعتها ولحقتها خطوات وخطوات في ترسيخ وتثبيت اسس العودة ووحدة الجبل وابنائه... ووحدة الجبل تشكل العمود الفقري لوحدة لبنان وتعافيه وتمسكه بقيم الحرية والتعددية والسيادة الوطنية.

ولا نذيع سراً إذا ما قلنا ان البطريرك صفير لم يكن بعيداً عن تعاون الرئيس الشهيد رفيق الحريري في الانتخابات النيابية في بيروت وفي دائرة الاشرفية مع السيدة سولانج بشير الجميّل ونجلها نديم.

ولا كان البطريرك صفير بعيداً عن تعاون وليد جنبلاط مع القوات اللبنانية ومع السيد دوري كميل شمعون في انتخابات الشوف على الأخص.

ولقد ربطت وليد جنبلاط بالبطريرك علاقة مميزة فكان يصطحب اولاده لمعايدة البطريرك صفير ولزيارته.

ويبقى ان تاريخ البطريرك صفير هو جزء لا يتجزأ من تاريخ لبنان الحديث... تاريخ استعادة لبنان للاستقلال الثاني والسيادة والقرار الوطني الحرّ، والحرية والعنفوان الوطني والكرامة الوطنية التي بنيت على شهادة الشهداء الكبار منهم والعناوين الى سائر شهداء وأبطال شعبنا المناضل، الصابر، المضحّي من أجل بناء الغد الأفضل، والمستقبل الكريم القائم على اسس العدالة الاجتماعية والحرية والمساواة بين جميع اللبنانيية في الحقوق والواجبات.