العراق الجريح ولبنان الكسيح!

07 أيلول 2022 07:23:45

لبنان والعراق بلدان عربيّان يتشابهان في العديد من المجالات، كما ويختلفان في العديد من المجالات أيضاً. لطالما كان العراق يشكل وزناً عربيّاً كبيراً، ولطالما كان لبنان يعتبر متنفساً عربيّاً أساسيّاً. وبين هذا وذاك، تتقاطع القدرات البشريّة التي كانت ولا تزال ميزة لبنانيّة مع إمكانيّات العراق في الثقافة والكتب والقراءة.

ولكن، بعيداً عن التقاطعات الثقافيّة، لا يمكن إغفال المشاكل السياسيّة المشابهة التي يعاني منها لبنان والعراق، ولعل أبرزها الطائفيّة السياسيّة التي أخذت أبعاداً خطيرة في العراق بعد غزو بغداد وسقوطها في نيسان 2003، وما تلاها من فوضى سياسيّة ودستوريّة ومؤسساتيّة وأمنيّة. لقد طفت الإنتماءات الطائفيّة إلى السطح بعدما كانت في حقبة النظام السابق خافتة بفعل القمع والتسلط.

طبعاً، لا يمكن تمجيد أي نظام ديكتاتوري مقابل توفيره الاستقرار، لأن الاستقرار إياه لا يعدو كونه استقراراً هشاً غير ثابت وغير متجذر، قابل للاهتزاز والسقوط عند أول منعطف كبير. وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر، فإن رحيل الزعيم السوفياتي الأخير ميخائيل غورباتشوف أعاد فتح النقاش حول تجربته في الإصلاح وإنعكاسها المدوي في سقوط «الكتلة الإشتراكيّة» أو ما عُرف بمسمّى «المعسكر الشرقي».

من كان ليتصوّر أن ينهار الاتحاد السوفياتي ويتلاشى بالطريقة التي حصلت فيها قبل عقود قليلة، وهو الدولة التي واجهت الأحاديّة الأميركيّة عقب الإنهاك الأوروبي الذي حصل بفعل الحرب العالميّة الثانية. وإذ بموسكو تنخرط في مجابهة على كل المستويات مع واشنطن وتنطلق الحرب الباردة وحرب النجوم وسواهما من النزاعات التي حصلت بالواسطة في بقع جغرافيّة عديدة حول العالم.

الطائفيّة السياسيّة لا تصنع الاستقرار، بل تفرز المواطنين إلى درجاتٍ متفاوتة بحسب إنتماءاتهم، وتفسح المجال أمام تغلغل النفوذ الخارجي عبر الطوائف ضد الدولة المركزيّة. هذا ما حصل في العراق، وهنا أوجه الشبه مع لبنان. الانقسام الطائفي العميق يوفر أرضيّة ممتازة للاعبين الإقليميين الذين يريدون تحقيق أحلامهم الإمبراطوريّة القديمة من خلال بسط نفوذهم عبر تنظيمات محليّة تدين لهم بالولاء.

من خلال تلك التنظيمات، يتم إضعاف السلطة المركزيّة عبر تشويه الممارسة الدستوريّة وشل المؤسسات عند الحاجة عبر تقديم تفسيرات غير دستوريّة للدستور أو إعادة تعريف مفاهيم أساسيّة وبديهيّة بما يصب بمصالحها الفئويّة والمباشرة أم عبر تكريس أعراف سياسيّة جديدة تكرّس الطابع «القبائلي» للعمليّة السياسيّة وينزع عنها أي مسارات تحديثيّة من الممكن أن ترفع من مستوى معيشة السكان أو طريقة عيشهم.

لا بل على العكس تماماً. الشعبان اللبناني والعراقي يعيشان أزمة واحدة في الفساد والإفساد، في سوء الإدارة، في تشتت القرار السياسي المركزي وبعثرته المتعمدة، في تغلغل النفوذ الخارجي لمصلحة أطراف محليّة على حساب الحكومة، في الأداء السياسي الذي لا يمت إلى الديمقراطيّة بصلة، في تفاقم المشاكل الإقتصاديّة والإجتماعيّة والماليّة (الكهرباء مثلاً)، وفي العديد من المجالات الأخرى.

لا يمكن الإنتقاص من أهميّة الخلاصات السياسيّة التي يمكن أن تتوفر من خلال هذه المقارنة البدائيّة التي تحدّد بوضوح، ومن دون أي إلتباس، مسؤوليّة المحاور الإقليميّة عن تدهور الأوضاع السياسيّة والمعيشيّة في البلدين. هذه المقاربة لا تعفي قطعاً المسؤولين السياسيين في كلا البلدين، أي أولئك الذين تولوا السلطة السياسيّة بمختلف مؤسساتها ومرافقها. ولكن المسار العام لا يحتمل الكثير من النقاش.

إذا كان إنزلاق لبنان إلى الحرب الأهليّة مجدداً دونه صعوبات موضعيّة وسياسيّة وميدانيّة، فإن ذلك قد لا يكون متوفراً في العراق الذي كادت أن تشتعل النزاعات المحليّة فيه بشكل خطير. في الحالتين، إبحثوا عن المحرّك الأول والمستفيد الأول!