ساترفيلد في لبنان... فما هدف الزيارة؟

ربيع سرجون |


في قصيدته الملحمية عن دمشق، يصف الشاعر الكبير أحمد شوقي جبل العرب ودوره العروبي في الدفاع عن سوريا، حيث انطلقت منه الثورة العربية الكبرى. يقول شوقي في قصيدته:"وَما كانَ الدُروزُ قَبيلَ شَرٍّ.. وَإِن أُخِذوا بِما لَم يَستَحِقّوا.. وَلَكِن ذادَةٌ وَقُراةُ ضَيفٍ كَيَنبوعِ الصَفا خَشُنوا وَرَقُّوا.. لَهُم جَبَلٌ أَشَمُّ لَهُ شَعافٌ.. مَوارِدُ في السَحابِ الجُونِ بُلقُ.. لِكُلِّ لَبوءَةٍ وَلِكُلِّ شِبلٍ نِضالٌ دونَ غايَتِهِ وَرَشقُ.. كَأَنَّ مِنَ السَمَوأَلِ فيهِ شَيئًا فَكُلُّ جِهاتِهِ شَرَفٌ وَخَلقُ.

 

ومهما قست الأيام وظلمت، يبقى التاريخ فيه شيء من العدل، إذ يظهر الحقيقة في أبعادها وخفاياها، بمعزل عن القوالب التي تصنع لها وتوضع فيها. ولو شاء المرء أن يسقط معاني أبيات شوقي الآنفة الذكر، لصحّ وصفها للجبل، لجبل كمال جنبلاط ووليد جنبلاط. وحده التاريخ سينصف قائداً كوليد جنبلاط، لا يخرج من عباءة العروبة، ولا يتخلّى عن فلسطين، ويبقى مهجوساً في إعلاء إنسانية الإنسان بعيداً عن الطائفية والمذهبية.

 

وكأن شوقي يصف وليد جنبلاط بالذي فيه شيئاً من السموأل، فكل توجهاته فيها شرف وخلق. ولعلّ كلمات شوقي وحدها تتكفل بالردّ على الإتهامات الظالمة التي تساق بحق رئيس الحزب التقدّمي الإشتراكي، ولأن الأيام والأزمان هي خير الشواهد، فلم تمض أيام قليلة على الحملات التي تعرّض لها وليد جنبلاط على خلفية موقفه بشأن مزارع شبعا، حتى بدأت تتكشف الخفايا، وتتثبت قاعدة إستشراف الرجل للمستقبل، وكشفه عن بعض الخبايا والخفايا بشكل إستباقي.

 

مناسبة هذا الكلام، حدثان أساسيان، الاول هو الإجتماع الرئاسي الثلاثي الذي عقد الأسبوع الفائت بين الرؤساء ميشال عون، نبيه بري، وسعد الحريري، وجرى خلاله التوافق على موقف لبناني موحد لجهة ترسيم الحدود، وقد عمل لبنان على تسليم رسالة إلى الولايات المتحدة الأميركية عبر السفيرة أليزابيت ريتشارد، لتأكيد التوافق على ترسيم الحدود بشكل متكامل برّاً وبحراً، وهذا الموقف ينطوي على إعادة إحياء اللجنة الثلاثية بين لبنان والعدو الإسرائيلي والأمم المتحدة، برعاية ووساطة أميركية، لأجل التوافق على ترسيم الحدود.

 

والحدث الثاني، هو الزيارة التي سيجريها نائب مساعد وزير الخارجية الاميركي لشؤون الشرق الأوسط ديفيد ساترفيلد إلى لبنان في الأيام القليلة المقبلة، وهو الذي كان يتولى إنجاز هذا الملف، الذي على ما يبدو أن مختلف الأطراف أصبحت مستعجلة لحلّه. حتى الآن لم يتبلغ لبنان حقيقة الموقف الاميركي بشأن التكامل في الترسيم ما بين الحدود البرية والبحرية، خصوصاً ان النقطة الأساسية العالقة ما بين البرّ والبحر هي النقطة البرية الاخيرة في الناقورة. وبحسب ما تكشف معلومات متابعة للملف، فإن الاميركيين يسعون إلى إنجاز هذا الملف في ظل الضغوط التي تشهدها المنطقة، على قاعدة عدم إبقاء الخلافات البحرية مع العدو الإسرائيلي، كعامل لتأخير الترسيم، وإيجاد صيغة ملائمة لذلك.

 

ولكن مما لا شك فيه بحسب المعلومات، انه مع انطلاق هذا المسعى جدياً للترسيم، فعندها سيتم البحث في ملف ترسيم الحدود البرية من الناحية الشرقية، أي مزارع شبعا، وهذه ستكون بحاجة إلى إثبات لبنانية المزارع وانتزاع اعتراف ووثائق من قبل النظام السوري بلبنانيتها، وذلك لإنجاز ذلك الترسيم، لأنه بحال التوافق على ترسيم النقاط الأخرى، لا بد من شمول خط الترسيم لمنطقة المزارع، وبحال عدم إثبات ذلك، فستبقى المزارع خارج هذا النطاق ما يعني إبقائها خاضعة للجولان والقرار 242، وليس القرار 425. وهذا ما سيثبت مجدداً صوابية إشارة جنبلاط، ومسارعته إلى إطلاق موقفه بشأن المزارع. ويبقى هذا الموقف من قبل جنبلاط مجدداً للتاريخ، بعيداً عن لغة الشتائم والشعبويات.
ربيع