Advertise here

الإنفجار المؤجّل: سجون لبنان "غير صالحة للبشر"

27 آب 2022 07:23:47 - آخر تحديث: 27 آب 2022 07:47:33

«السجن تنشئة وإصلاح». أو هكذا يجب أن يكون. لكن سماع حكايات لا تنتهي عن معاملة موقوفين وسجناء كـ»حيوانات منفيّة»، والزج بهم أعداداً في ما لا يزيد عن مساحة زنزانة إفرادية، تجعلنا نتريّث للحظة. هذا ولم نذكر بعد التكبيل، عصب الأعين، التعذيب ومنع المأكل والمشرب عن هؤلاء لساعات وأيام من دون مراعاة أدنى مواصفات الصحة والسلامة. وثمة المزيد. العبارة التي بدأنا بها، والحال كذلك، لا تشي بأنها تتعدّى سكب الحبر على الورق. أهلاً بكم في سجون لبنان.

قد يكون مفهوماً أن تأتي أخبار كتلك من داخل سجن جزيرة «بتاك» الروسي حيث الحياة أشبه بالجحيم، أو من سجن «جيتامارا» في رواندا حيث يتعفّن السجين حتى الموت، أو حتى من سجون الأنظمة الشمولية القريبة والبعيدة حيث يُجرّد البشر من إنسانيتهم. لكن أن تخرج شهادات مماثلة من سجوننا، نحن بلد الحريات، فهو أمر آخر. إليكم البعض منها ممهوراً بختم «صُنع في لبنان».

13 يوماً من «البهدلة»

 

سليم (اسم مستعار) يشرح لـ»نداء الوطن» كيف تعرّض ورفاقه لتوقيفات تعسّفية على خلفية حرق مبنى بلدية طرابلس خلال ثورة تشرين، في حين بقي الفاعلون الحقيقيون أحراراً طلقاء. «كنا ستّة أشخاص حين نُقلنا إلى وزارة الدفاع. كان التعاطي سيّئاً. انقطعنا عن العالم الخارجي وحتى المحامي لم يُسمح له برؤيتنا. كان الملف مفبركاً فقط لتأديبنا لأننا تواجدنا في الساحات دفاعاً عن الوطن»، كما يروي. ويضيف: «تعرّضنا لإهانات لفظية وعنصرية، وبقينا معصوبي الأعين وأيدينا مكبّلة إلى الخلف بلا أكل وشرب ونوم ليومين متتاليين. حتى استخدام المرحاض لم يكن يُسمح به إلا على مزاج العناصر المناوبين. الحمّام مكشوف يدخله أحدنا مكبّلاً بالآخر».

ويتابع الموقوف السابق: «بعد يومين نُقلنا إلى الريحانية، ووُضعنا مجدّداً في زنزانة إفرادية مخصّصة للحالات النفسية ولا مقوّمات للحياة فيها. سُمح لنا بالأكل الذي يشبه كل شيء إلّا الطعام الصالح للبشر، لكننا رضينا به لأن الجوع أدركنا. 13 يوماً مضت من دون استحمام، وكان باب الزنزانة يُفتح «تننسب ونتبهدل» لا أكثر».

«كلّو واسطة»...

محاكمة سليم لم تنتهِ، لكن قصّته خلف القضبان انتهت من حسن حظّه بسرعة. أما القصص الأخرى المشابهة، فلا تُعدّ. هذا سجين تواصلنا معه من داخل سجنه. ليست المرة الأولى التي يدخل فيها السجن ولسنا هنا في معرض الدفاع عنه في مطلق الأحوال. فالمرتكب يجب أن يُعاقب حتماً. تهمته تعاطي المخدّرات وهو يعرف «الشاردة والواردة». «هون الفقير بلا أكل، بيشطف الحمامات كرمال سيجارة بالنهار، والغني مدلّل ومرتاح وكفّو برقبة الفقير»، كما يخبرنا زاهي (اسم مستعار). يتابع كيف جرى منع إدخال الطعام من الخارج بحجّة التدابير الأمنية، في حين أن الهدف هو تشغيل «دكّان» السجن، ويعلّق ساخراً: «علبة الدخان برّا بـ30 ألفاً، وهون بتنباع بـ50 ألفاً. خايفين يتهرّب شي بالأكل؟ المخدّرات بتفوت والأكل ما بيفوت. الحبس مليان تلفونات وحبوب وكل شي بيخطر عبالكن وفي رؤوس كبيرة مستفيدة. في ناس بتفوت قصداً لأنو هون أحسن مطرح للصفقات». 

نسأل زاهي كيف يجرؤ على محادثتنا من الداخل وعلناً، فيردّ: «في كل غرفة 3 أو 4 تلفونات، وكل تعليمة لحدا من أهل المساجين بتشريجة خط. هون يا عيني كلّو واسطة. بدِّك أكتر من إنو يلّي عندو واسطة بتجي صاحبتو لعندو زيارة... وفهمك كفاية». ما سمعناه مُضحك مُبكٍ، وشرّ البليّة ما يُضحك.

عقاب أم تأهيل؟

منسّق اللجنة القانونية في المرصد الشعبي، المحامي جاد طعمة، اعتبر في حديث لـ»نداء الوطن» أن «التطرّق لموضوع السجون ذو وجهين أساسيين: أولهما العقوبة التأديبية التي تقع على الفرد لكي يُحاسب على الجرم الذي اقترفه، والدور الإصلاحي داخل السجن من أجل تأهيله للعودة إلى المجتمع».

ويلفت طعمة الى أنّه، بحسب المعايير الدولية، لا بدّ من تصنيف السجناء داخل السجون، فيُفصل مرتكبو الجنح عن مرتكبي الجنايات أو الجنايات الخطيرة. فخلاف ذلك، يدخل الإنسان إلى السجن مجرماً صغيراً ليخرج منه مجرماً أكبر. بطبيعة الحال، هذا التصنيف غير مطّبق في السجون اللبنانية لسببين: الأول واقع الاكتظاظ (فسجن رومية، مثلاً، الذي يتّسع لـ1500 سجين يوجد فيه حالياً حوالى 4100)؛ والثاني واقع الخلط بين المساجين رغم اختلاف جرائمهم. من هنا يتحوّل متعاطو المخدّرات مثلاً إلى تجّار داخل السجن بحكم اكتسابهم فن تجارة المخدّرات على يد تجّار أكثر تمرّساً. ويضيف طعمة: «إذا أردنا التكلّم عن المخدّرات تحديداً، فقد ثبت في أكثر من تحقيق أن هناك تجاوزات تتعلّق بإمكانية إدخالها إلى السجون، وتورّط بعض العناصر الأمنيين، إمّا نتيجة سوء الوضع الاقتصادي أو الجشع والطمع والفساد».
 

القوانين على الرفّ

ماذا عن الشق القانوني المتعلّق بالتوقيفات والمحاكمات؟ «رغم أن قانون أصول المحاكمات الجزائية حدّد في المادة 108 منه أوقات التوقيف واضعاً الحدّين الأقصى والأدنى ومستثنياً منها بعض الجرائم التي لا سقف لها، إلّا أن القضاء لم يلتزم بأحكام هذه المادة ما يُعتبر ثغرة كبيرة في جدار العدالة»، كما يشرح طعمة. أمر آخر لا بدّ من الإشارة إليه وهو طول أمد المحاكمات علماً أن العدالة المتأخرة، كما نعيد ونكرّر، لا تختلف عن اللاعدالة. فالسجين يجد نفسه داخل السجن مجرّداً من أدنى مقوّمات العيش الكريم في ظل واقع الاكتظاظ، كما عليه أن ينتظر طويلاً بين الجلسة والأخرى خاصة في ظلّ الاعتكافات والإضرابات المتتالية مؤخّراً. وهكذا لا تعود حالات الغضب والكبت الشديدة التي تتملّكه وفكرة الهروب التي تراوده وإيجاد الآلية المناسبة لتحقيق ذلك مستغربة.

عن الشق الإنساني وما حصل ويحصل مع سليم وغيره خلال التحقيق، يقول طعمة: «أحياناً كثيرة نسمع عن ذلك رغم أن المادة 47 من أصول المحاكمات الجزائية تفرض حضور المحامي مع أي شخص يتمّ استجوابه أمام الضابطة العدلية. على القاضي أن يبعث الهدوء النفسي في نفس كل موقوف على ذمة التحقيق. والملفت أنه نادراً ما نجد أحكاماً تُبطِل تحقيقات أولية حصلت تحت ضغط التعذيب». فعلى الرغم من إقرار لبنان قانون تجريم التعذيب العام 2017، لكن حالات تطبيقه لا تتعدّى أصابع اليد الواحدة.



المعايير في خبر كان

ننتقل إلى مديرة برنامج السجون في مركز RESTART لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، الدكتورة باسكال بافينوس، التي أشارت في حديث لـ»نداء الوطن» الى أن هناك 25 سجناً لا تتوافق فيها ظروف الاحتجاز مع المعايير الدولية، مثل قواعد مانديلا النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء.

نبدأ مع المباني التي يعود بعضها إلى أيام الحكم العثماني والانتداب الفرنسي. فهي ضيّقة المساحة يُزجّ فيها أضعاف سعتها وأكثر، ما يحول دون احترام الحقوق الأساسية للإنسان فيها ويحوّلها إلى قنابل موقوتة على المستويين الصحي والأمني. فالاكتظاظ يشلّ عملية التأهيل الاجتماعي التي تحتاج إلى إطار حياتي مقبول لتحقيقها. ثم هناك مشكلة البنى التحتية التي تتطلّب ورشة صيانة شاملة وهو أمر مستحيل في ظلّ الأزمة الراهنة. «مثلاً، تعتمد بعض السجون على مولّدات الثكنات أو على الاشتراك بسبب عدم تخصيص مولّدات كهربائية لها. أما مياه الشرب فحدّث ولا حرج. فقد قام مركز RESTART بمدّ شبكة تكرير مياه شفة في سجن القبّة في طرابلس لتوفير مياه شرب صالحة للسجناء»، بحسب بافينوس.

الإحتياجات آخر الإهتمامات

المشاكل الصحّية والخدمات الطبية هي الأخرى معضلة متفاقمة، وليست وفاة أحد سجناء رومية الأسبوع الماضي بسبب الأمراض المتفشية داخل السجن سوى خير دليل على ذلك. نتكلّم هنا عن فرشات متآكلة ورطبة؛ نقص في الإمدادات الطبية والإسعافات الأولية؛ عدم توفير جميع الاختصاصات الطبية كما انعدام خدمة الطب النفسي. وتتحدث بافينوس عن غياب خدمة طب الأسنان وعدم إجراء الفحوصات المخبرية للسجناء للتأكد من عدم إصابتهم بأمراض معدية. هذا مع العلم أن العديد من الأطباء العاملين في السجون قدّموا استقالاتهم وهاجروا ما انعكس بدوره نقصاً حاداً في عددهم. 

ماذا عن الأمن الغذائي، وهل هو فعلاً مهدّد في السجون؟ «بالطبع، فإدارة السجون أصبحت غير قادرة على تأمين احتياجات السجناء من الطعام بالكميات والنوعيات نفسها، لا سيّما من لحوم ودجاج وأجبان وخضار. هذا وقد وجّه موردو المواد الغذائية مؤخراً كتاباً إلى وزير الداخلية والبلديات يطالبونه بالإسراع في تأمين أموال إعاشات السجناء»، تجيب بافينوس. وقد صدر منذ فترة قرار بمنع إدخال الطعام من الخارج لدواع أمنية، كما أنه بسبب الارتفاع الجنوني في الأسعار، لم يعد أمام السجناء سوى تناول الطعام المتوفّر داخل السجن.

أخيراً وليس آخراً، هناك غياب شبه تام للبرامج التربوية والتدريب المهني داخل السجون ما يؤدي إلى انتشار البطالة في صفوف السجناء السابقين وانعدام إنتاجيتهم بعد خروجهم. مركز RESTART أنشأ مكتبة ومشغل خياطة في سجن القبّة إضافة إلى إجراء دورات كومبيوتر وتدريب مهني حول الدهان والطرش والحلاقة كما تعليم اللغة الانكليزية. خطوة لا بدّ من الترحيب بها لكن تحتاج إلى التعميم على كافة السجون لناحية مساعدة السجين على خفض فترة محكوميته عبر اكتسابه حرفة ما وإعادة انخراطه في الحياة العملية لاحقاً.



من تُخرّج السجون؟

بالنظر إلى ما وصل إليه البلد ككلّ، لا عجب في عدم كون السجون وقاطنيها من ضمن أولويات صانعي القرار لدينا. فالميزانية المخصّصة للسجون غير كافية لتحسين ظروف الحياة فيها. والضحيّة شخصية السجين ما يعيق عملية إعادة اندماجه في المجتمع ويزيد من احتمال معاودته كرّة الارتكابات. 

«السجناء يعيشون حالة من الانعزال واليأس والاكتئاب وعدم الثقة بالآخرين، ناهيك باضطراب البارانويا والعديد من الأمراض النفسية الأخرى. هناك ضرورة لتحضير السجين لمرحلة ما بعد الإفراج واعتماد عقوبات بديلة»، من وجهة نظر بافينوس.

تكرار الانتفاضات التي تهبّ داخل السجون وحالات الإضراب عن الطعام داخلها ومحاولات الفرار منها باتت خبراً روتينياً. في هذا السياق يشدّد طعمة على وجوب تعاضد كافة العاملين في الجسم القضائي، خاصة الشق الجزائي منه، لوضع خطة نهوض شاملة تراعي واقع السجون وأي نوع من الأشخاص يُعاد تخريجهم إلى المجتمع». 

ويتساءل: «هل نقوم فعلاً بدور إصلاحي أم نحن أمام واقع تخريج مجرمين كبار؟».

وظيفة تأهيلية لا حراسة

لفتة سريعة، لا تقل شأناً، في الختام إلى انعكاس واقع القوى الأمنية على السجون. فتدهور العملة جعل راتب الضابط في قوى الأمن لا يتخطى المائة دولار شهرياً. 

ثم أن هناك تراجعاً حادّاً في عديد الضباط والعناصر المكلّفين إدارة السجون في ظل غياب الحوافز التي تجذبهم إلى العمل فيها. في هذا الخصوص، تقول بافينوس إن غياب الاختصاص في إدارة السجون، وعدم وجود معاهد مختصّة لتدريب الكوادر، يعودان للنظرة التقليدية للوظيفة العقابية على أنها مجرّد حراسة أو إنزال عقوبة. فلو نُظر إليها كوظيفة تأهيلية لتمّ الاعتراف بضرورة حسن إعداد وتدريب تلك القوى. وهو ما شرع به مركز RESTART من خلال تنظيم دورات تدريبية للعناصر بهدف اطلاعهم على كيفية إدارة السجون.

نكتفي بهذ القدر مع علمنا أن معظم ما تطرّقنا إليه ليس سرّاً خافياً. لكن إذ «يمكن الحكم على درجة تحضّر مجتمع ما من خلال الدخول إلى سجونه»، كما قال يوماً الأديب الروسي فيودور دوستويفسكي، لا بدّ من دق ناقوس الخطر مراراً وتكراراً.

يلاحظ تراجع كبير في أعداد الموقوفين في لبنان خلال السنتين الأخيرتين، ويعود السبب، بحسب الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين، إلى تهاون القوى الأمنية، نتيجة الاكتظاظ الحاصل في السجون من جهة، وعدم القدرة على تأمين احتياجات الموقوفين من أكل وشرب وغيرها من جهة ثانية.