رحل بطريرك المصالحة

حنان العموري |

رحلَ من آمنَ وكرّسَ “ لبنان بلد الحرية والديموقراطية والعيش المشترك، ولا معنى للبنان من دون هذه الصفات".
قالَ ما قاله ومشى وأصبحَ قولُهُ صلاةً يردّدُها اللبنانيون كلّما تزعزعَ إيمانُهم بهذا البلد.

بطريركُ التحدّي والمواجهة، كلّ والوفاء لأفكارِكَ، لثباتِك، لصبرِك على المتطاولينَ والدّخلاء، لشجاعتِك على التحدّي في عزّ الأخطارِ، كلّ الفخر أنّك وُلِدتَ لبنانيًّا ووضعتَ لبنانيّتَك فوق كلّ الاعتبارات وأنّك كنت قائدًا في مبادئك الوطنيّة وعدمِ تنازلِكَ عن هذه الأرض وأنّك كنت قدّيسًا في قدسيّتك لوجودِ الآخر ومساواتكَ له في الوطنيّة والإنتماء.

كبيرُ الموارنة، صديق وليد جنبلاط وعرّاب العيش الواحد، بنو معروف يرثونك ويحزنونَكَ ولا يريدونك أن تصعدَ إلى السّماء، بل يريدونَكَ أن تتقمّصَ بلغتهِم وتعودَ إلى هنا، إلى الارضِ التي ناضلتَ من أجل كرامتِها، وإلى قلبِ المصالحة واليدِ الصّلبة في تثبيتها وتدعيمها، فالسّماءُ لا تحتاجُ إلى قدّيسين بل أرضُنا هي الّتي تحتاجُ لأبرارٍ يحفظونها بصلواتِهم ويحافظونَ عليها بمواقفهم وثوابتهم. 

بطريرك الـ "لا" الأبيّة الّتي لا تتنازلُ ولا تنكسرُ، رجلُ الكلمة المتوازنة الصّادقة، صديقُ الصّمت والعمق، حاملُ كرامة لبنان وعزّته، يحقّ لك أن تستقيلَ من همومِ هذا البلدِ الثقيلة، ويحقُّ لنا أن نفتقدَ حضورَك في عزّ ما نحتاجُ إلى الرّجال  الرّجال وفي عزّ  أزماتِ هذا الوطن، ويحقّ لهذا الوطن المتألّم أن يحزنَ على من حملَ آلامه في صلواته ومَن زرع في ترابه أملَ  الإيمانِ به وقدّم مصلحتَه وحريّته فوق كلّ المصالح الطّائفية والحزبية. 
إرحلْ، وإن رحلت لن تستقيلَ، سوف نحمّلُكَ رسالةَ هذا الوطن كي تبقى عيونُكَ حالمةً  به علّنا نحملُ رسالتَك بمسؤوليّة وتواضعٍ ،  فأمثالك يحضرونَ أكثرَ بعد غيابِهم  ويتمجّدونَ للسّماءِ والتاريخ.