للفساد أم واحدة لكن آباءه بالآلاف!

عزت صافي |

في الأمثال اللبنانية القديمة ان الفأر يسبق الأهل إلى البيت الجديد، وهذا هو حال الدولة التي يعود تاريخها مع الفساد الإداري إلى الزمن العثماني، وما قبله. أي أن هذا الداء مزمن، ولا مهرب منه، ما يعني أن اللبنانيين متآلفون مع الفساد، فبعضهم من أهله، والبعض الآخر من ضحاياه. وكان الرئيس العسكري الأسبق الجنرال فؤاد شهاب يكرر ملاحظته الدائمة على سبيل التذكير والتنبيه، وهي ان سيدة البيت لا تسأل زوجها، أو إبنها الموظف: كم راتبه في الشهر؟. إنما تسأله كم يحصّل من "البرّاني"، اي الرشوة، أو البخشيش.

ومن ذكريات الوزراء السابقين، أو الضباط والموظفين الذين خدموا في عهد ذلك الرئيس أنه إطلع على شكاوى ضد أحد الوزراء في الحكومة الأولى، أو الثانية في عهده، وكانت الشكاوى من نوع تلزيم مشروع إنشائي، أو تمرير معاملة غير مستوفية الشروط القانونية، وكان الوزير المشتبه به كثير الكلام في جلسات مجلس الوزراء، وفي معظم الأحيان يكون كلامه من خارج الموضوع المطروح، وكان يثير الشبهة حوله.

وفي جلسة عرضت خلالها مشاريع تلزيمات متعددة، بينها مشروع منشأة ذات مردود محدد، فاختلفت الآراء حولها، فما كان من ذلك الوزير إلا أن خاطب الرئيس الجنرال قائلاً وهو يضع أصابعه على ذقنه: "خذها من خيك..." (وذكر إسمه الأول)!
وكان ان ساد الصمت في القاعة فيما الوزراء يتبادلون نظرات الإستغراب، ويتطلعون إلى الرئيس الذي بادر الى رفع الجلسة بعصبية.

ويذكر أحد الوزراء السابقين الذين في تلك الجلسة ان الرئيس شهاب خرج مع الوزراء المغادرين الى حيث كانت سياراتهم في باحة القصر، ووقف يودعهم على مطلع الدرج، الواحد بعد الآخر، وحين مدّ ذلك الوزير يده وضع الرئيس يده على كتفه، وقال له بصوت خافت: أنا عاوزك! ...وكان ان وقف الوزير إلى جانب الرئيس مبتسماً، لاعتباره مميزاً، فيما الوزراء الآخرون يمرون حتى آخرهم...
ثم إلتفت الرئيس ألى الوزراء وقال له بنبرة لا تخلو من السخرية ما خلاصته:
وجعتلّي راسي... الخبريات عنك كثيرة، قبضة ورا قبضة... عمول شي ضرب حرزان وريحني... فهمت خيي... (فلان)؟!
...وكان ان غادر ذلك الوزير منكس الرأس!... ولم يطل عمر تلك الحكومة!

بين الدول العربية، ودول "العالم الثالث" مشهود للبنان بأنه خرج من عهد الانتداب الى عهد الاستقلال ولم يبتل بلعنة الحكم العسكري التي نزلت على الشعوب العربية بالإنقلابات التي حلّت عليها باسم الحرية والديموقراطية والعدالة، فإذا هي قوات إحتلال، وسيطرة وهيمنة، وعنطزة، وسلب ونهب، وتدجيل، وكذب، بادعاء الاعداد لحرب تحرير فلسطين من العدو الصهيوني، فإذا النتائج بعد سبعين سنة (الانقلاب العسكري الاول في سورية عام 1949) ان فلسطين التي كانت عربية في ذلك الزمن قد تحولت مجموعة مستوطنات صهيونية تحت علم إسرائيل، واستمر حبل الاعتداء، والاغتصاب، والاحتلال والتوسع، على الجرار...

ولقد نجا لبنان من الانقلابات العسكرية (ما عدا محاولتين محدودتين فاشلتين) لكنه إبتلى بلعنة الفساد السياسي، والإداري، والاقتصادي، والقضائي (الافرادي) و "الفساد الوطني" أي الطائفي والمذهبي الأخطر، لأنه يهدد الكيان اللبناني في أساسه.

في زمن غير بعيد، في حكومة لبنانية سابقة، تبارز وزيران في تلك الحكومة أمام القضاء، وأمام جماهير المشاهدين على شاشة التلفزيون، وكلاهما مدع على الآخر، وفي يده مضبطة إتهام يلوّح بها في وجه خصمه، وفيها وقائع، وتفاصيل، وتواريخ، وأسماء شهود على ما يقول.

ومع ذلك يستمر مسلسل دعاوى الفساد وفضائحه مع استمرار الدعوة الى الاصلاح في البيانات، والخطب، والتصريحات ولا من يسأل، مجرد سؤال: من أين كل هذا؟!

وتبقى للفساد أم واحدة، وأكثر من أب، ولا أحكام، ولا عدالة!.