لبنان: الجمهوريّة المعلّقة إلى أجل غير مسمّى!

23 آب 2022 08:17:17

لبنان هو عمليّاً الجمهوريّة المعلقة. كل مساراته مقفلة أو أنها مصنفة في خانة «مع وقف التنفيذ»! قليلة هي الملفات الكبرى (وفي الكثير من الأحيان الملفات الصغرى أيضاً) التي سلكت دروب الحلول والمعالجات المنتظرة؛ ما أدّى إلى تراكماتٍ هائلة في كل ميادين الحياة اللبنانيّة وعطّل بشكل مباشر أو غير مباشر كل إمكانيّات تحقيق التقدّم والازدهار والاستقرار الذي يصبو إليه أي شعب على الكرة الأرضيّة.
منذ ولادته الملتبسة ونيله استقلاله الوطني سنة 1943، واللبنانيون منقسمون حول الثوابت الكبرى والخيارات الاستراتيجيّة. ليس سهلاً على وطن ناشئ صغير، شديد التنوّع، تتنازعه الأهواء الطائفيّة والمذهبيّة، أن يتمكن بسهولةٍ من تجاوز الانقسامات التي تغذيها الولاءات الخارجيّة المتضاربة.
وليس سهلاً على وطن اعتمد عدد من قادته لحقبات تاريخيّة غير قصيرة شعار «قوّة لبنان في ضعفه» كخيار سياسي لإدارة شؤون البلاد أن يتمكن من النهوض وتحصين نفسه بنفسه إزاء الأمواج الإقليميّة التي تتلاطمه، والتي لا تبتعد بعض الأطراف السياسيّة المحليّة عن ركوبها لتعزيز مواقعها الداخليّة في مقابل الأخصام السياسيين.
تبدّل اللاعبون الخارجيون في حقباتٍ تاريخيّة مختلفة، ولكن الثابت الوحيد الذي استمر هو أن التدخل الخارجي المباشر أم غير المباشر شكّل قاعدة ثابتة في إطار الحياة السياسيّة اللبنانيّة. وإذا كان هذا النمط السياسي قد بدأ في مرحلة الانتداب الفرنسي على لبنان (1920 - 1943)، فهو بلغ ذروته – من دون مبالغة - مع الوصاية السوريّة المباشرة التي بدأت مع الدخول العسكري السوري إلى لبنان سنة 1976 بتوافق دولي وإقليمي، ولم تنته إلا ما بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في فبراير (شباط) 2005.
لقد استفاد الرئيس السوري حافظ الأسد من حرب الخليج الثانية لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي سنة 1991، ولم يكترث لشعارات خشبيّة كان نظامه قد واظب على استهلاكها لعقودٍ طويلة، بل عرف أين يقف في الصراع مستفيداً من نزاعه التاريخي مع البعث العراقي وخلافه مع الرئيس العراقي صدام حسين وملتقطاً الفرصة للانتقام. ولقد مكنّه ذلك من تجديد صك وصايته على لبنان بلا منازع تقريباً شرط ألا يتجاوز الخطوط الحمراء مع إسرائيل، وهو ما كان أتقنه أيضاً في جبهة الجولان التي لم يطلق فيها رصاصة واحدة منذ سقوطها.
لعب النظام السوري بإتقان دور الناظم للحياة السياسيّة اللبنانيّة مغذياً الانقسامات فيما بينهم بما يتيح له التدخل لحسم الخلافات لصالحه، واللبنانيون لم يقصّروا - من خلال لهاثهم خلف مصالحهم الفئويّة الخاصة - من توفير هذه الفرص الثمينة للوصاية. لقد روّج النظام بدون انقطاع لنظريّة «لبنان الخاصرة الرخوة لسوريا» التي كانت تخشاها دمشق حرصاً على نظامها الحديدي. 
ولكن، أليست هذه الخاصرة الرخوة هي التي أتاحت للنظام السوري تطبيق سياسة «فرّق تسد»، وبالتالي التلاعب على التوازنات الداخليّة وتغيير مقاييسها بما يتناسب مع مصالحه المباشرة التي تقف على طرفي نقيض مع المصلحة الوطنيّة اللبنانيّة؟ لو لم يكن لبنان منقسماً على ذاته، وكانت القوى السياسيّة برمتها تلتف حول دولته المعلقة، هل كان بالإمكان أن يحقق الاختراق السوري أو غير السوري هذا القدر من النفوذ والتأثير السياسي على مختلف مجريات الحياة الوطنيّة اللبنانيّة؟
صحيح أن هذه الأسئلة المشروعة كانت تسري على حقبة الوصاية السوريّة المباشرة، ولكنْ ثمّة استمرار لسياسات «محور الممانعة» في الداخل اللبناني تشكل امتداداً واضحاً لحقبة الوصاية من خلال فصائل وأحزاب وقوى محليّة لا تتوانى عن تطبيق السياسات التي تناسب «المحور» قبل أن تناسب لبنان، لا، بل هي تفاخر بذلك، وتعتبره حقاً مشروعاً لها في إطار سياسة الساحات المفتوحة التي اعتمدها المحور إيّاه بعيداً عن أي مراعاة للواقع الداخلي اللبناني. العراق ضحية مماثلة للبنان. إن البلدين ضحيتان لمحور واحد.
ينتظر لبنان منعطفات جديدة، في طليعتها ملف ترسيم الحدود البحريّة مع الاحتلال الإسرائيلي، وطبعاً الانتخابات الرئاسيّة التي يفترض إنجازها قبل نهاية شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وهي المحطة التي ينتظرها اللبنانيون بفارغ الصبر على أمل أن تشكل فرصة جديّة للتغيير المنتظر بعد المآزق المتتالية التي ورطهم فيها العهد الحالي.
إن إهدار فرصة التغيير من خلال انتخاب رئيس جديد يتمتع بحس المسؤوليّة الوطنيّة ويفهم طبيعة التوازنات اللبنانيّة المحليّة بامتداداتها الخارجيّة ويساهم في إعادة بناء علاقات لبنان الدوليّة والعربيّة تحديداً، سيكون بمثابة انهيار كبير للبنان وارتماء إضافي له في أحضان محور الممانعة الميمون!