عن البطريرك صفير الثائر والسائل يوما: "أين يقع قصر المهاجرين؟"

ربيع سرجون |


أقسى ما تعانيه الفكرة، موت مبتكرها. وربما أقسى ما يتعرّض له المرء أو الكيان، هو الإنسلاخ عن الذات، تماماً كما ينسلخ جسد البطريرك ما نصر الله بطرس صفير عن روحه، تلك الروح التي نفخت فيها الحياة يوم ولادة لبنان الكبير. يغيب البطريرك، يغمض عينيه قبل سنة واحدة فقط، من اسدال الستارة على مئوية لبنان الكبير. مثله لا يرقدون، دبيب الحركة يبقى في الفكرة واستنارتها، او استلهامها. وهنا القسوة الأكبر التي تتفجّع، إذا ما وجدت نفسها كالصدى، تتردد بين جدران سميكة، لا لين فيها، وطين لمن قادر على استلهامها وتطويرها.

كان البطريرك مار نصر الله بطرس صفير، أحد مطوري لبنان الكبير، وصانعي السياسة فيه، وربما معه وحده، وهو فقط من أرسى رغبة شعبية لبنانية وغير لبنانية، في طلب تدخل رجل الدين في السياسة، فكان من تلك البطانة النادرة، القادرة على استجماع الديني مع المدني واللاهوتي مع السياسة، خارج أساطير وخرافات، وبعيداً من الذميات أو أحلاف الأقليات. كان لتدخّله السياسي الرمزي معنى وجوهر، منذ ما قبل لقاء قرنة شهوان وثورة السيادة والإستقلال. 

نصر الله صفير، كان بطريرك الجمهورية الثانية في لبنان، كما كان سلفه الياس الحويك بطريرك الجمهورية الأولى. عرف باكراً مكر الدول، واللعب على حواف التناقض الديني والمذهبي، وفق قواعد الأعداد والأرقام والأحجام، فابتكر صيغته النوعية، بأن المرتكز في السياسة يبقى للقيمة والفكرة، لا للعدد ولا للإستلحاق بركب الآخرين، فكان عرّاب اتفاق الطائف الذي أوقف العد، وأنقذ المسيحيين من عزل محتّم، أو من سياسة كادت تؤول بهم إلى مرتبة الذمية السياسية، كما هو حاصل ما بعد خروجه من الصرح، نزولاً عند رغبة الفاتيكان التي برزت في مرحلة ما، مساع من قبلها لإبعاد بكركي عن السياسة والتأثير السياسي في ظل التفجر الذي شهدته المنطقة العربية بعد ثورات الربيع العربي. ما دفع المسيحيين الى الاستلحاق بمنطق الأقليات وضرورات حمايتها بالتحالف فيما بينها، فاختيرت ايران مثلاً من قبل بعض جماعاتهم كخيار للحماية بعيداً من العروبة الرحبة، وليس أبرز من الدلائل على الانحدار وفقدان السياسة لمعناها، سوى الزيارات المتتالية الى الشام، وصولاً الى ارتفاع اصوات من شدة وهول الفراغ للمطالبة بحماية السيد حسن نصر الله للمنصورية من مدّ خطوط الكهرباء.

وما بعد الطائف، كانت جبة البطريرك ملاذ اللبنانيين الثائرين، والرافضين لنظام القمع والوصاية، وكان الشريك الشريك في مصالحة الجبل، والتي بفعلها ووقعها وقوتها ونبلها، أرست منطق الشراكة والوحدة الوطنية بمواجهة كل سياسات الإفتراء والاختراع التي كانت تستثمر بالدم والانقسام، وتخويف المسيحيين، فقال كلمته وذهب الى الشوف والجبل، تلك المصالحة التي أسست الى انتفاضة الاستقلال وثورة الأرز. ولرمزية المصالحة، ثمة من يريدها جثة، ينهش بها ساعة يشاء من الذين لا يعتاشون على غير الفتن والجثث كالغربان، في لعبة النعيق والزعيق الشعبوي. 

لا تتسع الأبجدية لإيفاء مار نصر الله بطرس صفير، ولا كلام يصف مرافع مرتبه وقداسة جلجلته، التي سار عليها بصبر وصمت وصمود، على قاعدة بكركي تزار ولا تزور، وبأنه قال ما قاله ولا تراجع، سائلاً عن مكان قصر المهاجرين حين سئل اذا ما كان سيزوره، فرفض إنهاء تلك الجلجلة بزيارة مهينة الى سوريا المخنوقة والمهانة، من نظام خنق لبنان واللبنانيين. تلك كانت رسالة البطريرك، والتي ستكون مسؤولية كبرى على أسلافه في حمايتها والدفاع عنها وتطويرها وبنائها.