البطريرك صفير دشّن مئة سنة من العيش المشترك الواحد

12 أيار 2019 21:09:00 - آخر تحديث: 25 تشرين الأول 2019 13:34:57

يشهد التاريخ في مراحله المختلفة، أحياناً، قلة محدودة من الرجال تكتب بتوقيعها صفحات ناصعة مثيرة لا تمّحي. بين هؤلاء هناك إجماع على أسماء لامعة من مثل أتاتورك في تركيا، غاندي ونهرو في الهند، مانديلا في جنوب إفريقيا، عبد الناصر في مصر، وكمال جنبلاط في لبنان. 

أما لماذا دخلت هذه الأسماء التاريخ من بابه الواسع، فلأنها وقبل أي شيء آخر التزمت قضايا إنسانية أو وطنية رأت فيها المصلحة العليا لشعبها أو مجتمعها، وصارعت من أجلها قوى مستبدة مهيمنة كان لا يظن أن بالإمكان هزيمتها؛ وكانت إلى ذلك سابقة لوعي مجتمعها ونهضته، بل إن مجتمعها ما كان ليعي وينهض على قدميه لولا نداءات القادة أولئك، والتي توجّوها بتضحيات شخصية هائلة وتحملٍ للمشقات لا يقوى عليهما إلا الرُسُل والقديسون.

البطريرك صفير (رحمة الله لروحه الطاهرة) كان من دون منازع في فئة القادة البارزين أعلاه وبامتياز.   

فهو عاصر، وبخاصة في الثلث الأخير من حياته، جهة خارجية مستبدة شرسة تملك كل أسباب القوة، وحالة سكون واستسلام وقبول بالأمر الواقع في الداخل. وعاصر أكثر من ذلك حالة انقسام عامودي طائفي، مدفوعة الأجر من الخارج، كانت كفيلة بإجهاض كل مسعى للترقي والسلام والوحدة والعيش الواحد في بلده، حتى داخل طائفته الموسوم كاردينالاً على رعيتها.  

لم يكن الناظر للمشهد السياسي اللبناني عند نهاية القرن الماضي، 1999- 2000، يظنّ لوهلة أن بالإمكان زحزحة تلك الصخرة عن صدر اللبنانيين، أو استرجاع حريتهم المسلوبة وقرارهم الوطني المستقل. 

إلا أن البطريرك الشجاع العظيم، الملتزم رسالة كنيسته وتاريخ طويل من العيش الواحد، فاجأ الجميع بالإقدام على طي صفحة الحرب الأهلية في الجبل، فلاقاه الزعيم الوطني وليد جنبلاط في منتصف الطريق، ودشّنا معاً المصالحة التاريخية في الجبل في صيف 2001، وليتحمل مع وليد جنبلاط لسنوات لاحقة كل أصناف التهم والملاحقة والحصار. 

لكن البطريرك وبعقله الإستراتيجي الكبير لم ينجز المصالحة بين الدروز والموارنة ليدمل الجرح الداخلي فقط، وإنما أيضاً، لإدراكه أنه من دون وحدة الجبل، والجبل، لن يتحقق إستقلال لبنان الثاني الذي سينجز بعد بضع سنوات، ولن تسترجع السيادة والحرية والقرار اللبناني المستقل.

هذه باختصار خارطة الطريق التي رسمها البطرك العظيم ومشى خطواتها وتحمّل ما تحمّل من أجل بلوغها غاياتها؛ وقد بلغت حقاً غاياتها في نيسان 2005.

لقد دشّن البطريرك صفير، الراحل العظيم، بطريرك كل اللبنانيين، بمصالحة الجبل سنة 2001، والمصالحة الوطنية بعدها، لمئة سنة قامة من العيش الواحد والسلام الأهلي في الجبل، وبين اللبنانيين. وقد أثبت العقدان الأخيرن اللذين حفلا بكل أنواع التحديات والصعوبات أن المصالحة باتت حقيقة نهائية راسخة جداً في الجبل كما بين اللبنانيين عموماً، دستور اللبنانيين الحقيقي، وأنهم باتوا من الوعي بحيث لا ينجرّون من جديد إلى أية فتنة داخلية، ومهما حاول المصطادون الأشرار اقتناص الأزمات أو افتعالها، هنا أو هناك.

لبنان، الجيل الحالي، كما الأجيال اللاحقة، لن ينسى البطريرك صفير، ويودّعه بالكثير مما يستحق من المحبة والعرفان.