خطف وتصنيع مخدرات وكبتاغون وتهريب وتجنيد مرتزقة... السويداء تنتفض على سلطة "التشبيح"

31 تموز 2022 12:26:15 - آخر تحديث: 31 تموز 2022 12:34:12

عاد التوتر من جديد إلى محافظة السويداء السورية، وهذه المرّة من باب العصابات التي تنتشر في المدينة بغطاء من النظام السوري، والقوى المحلية المتمثّلة بالجماعات الإيرانية التي تسيطر على المنطقة. إذ وقعت اشتباكات عنيفة بين أهالي المحافظة وجماعة راجي فلحوط المقرّبة من المخابرات العسكرية التابعة مباشرة للنظام، في بلدتَي عتيل وسليم، بعدما انطلقت انتفاضة شعبية في بلدة شهبا.

وروى مسؤول تحرير موقع "السويداء 24"، الصحافي ريان معروف، لجريدة "الأنباء" الإلكترونية تفاصيل ما حصل، وأشار إلى أنّ أسباب الاشتباكات المباشرة تعود إلى خطف عصابة فلحوط للشاب جاد الطويل يوم السبت بتاريخ 23 تموز من بلدة شهبا، فهبّ الأهالي حينها وأقفلوا الطرقات، وبشكلٍ خاص طريق السويداء - دمشق، واحتجزوا أربعة عناصر من المخابرات العسكرية، فتدخّل المشايخ ليتم الاتفاق بعد ذلك على عملية تبادل يوم الأحد بين الطويل وعناصر النظام العسكريين على أن يتم فتح الطرقات، وهذا ما حصل، إلّا أن عصابة فلحوط عادت وخطفت مدنيين في اليوم التالي، واستمرت في ممارساتها وانتهاكاتها في المنطقة.

وعلى الأثر، انطلقت انتفاضة شعبية من بلدة شهبا والقرى المجاروة، فوقعت اشتباكات بين أهالي القرى والجماعة المسلّحة، لتتدخل حركة "رجال الكرامة" التي ساندت سكان المنطقة وبشكل حاسم بوجه عصابة النظام السوري، فاستطاعت الحركة محاصرة موقع فلحوط في بلدة سليم والسيطرة عليها، فوقع 6 قتلى وأُسر آخرون. استطاع فلحوط الهرب رفقة بعض العناصر إلى منزله في بلدة عتيل، فلحقه أهالي السويداء ومسلحو الحركة، وسيطروا على الموقع، لكن فلحوط استطاع الهرب مرّة آخرى، فقُتل 6 عناصر آخرون، فيما استشهد 5 من أبناء منطقة السويداء. وتم تحرير كافة المخطوفين لدى العصابة، وفق معروف.

أمّا، وفي الأسباب غير المباشرة، فإنّ جماعة فلحوط، المدعومة من النظام السوري والجماعات الإيرانية في المنطقة، عاثت في الأرض فساداً، كما باقي العصابات التي أرسلها النظام إلى السويداء، وقامت بممارسات وانتهاكات جسيمة، تمثّلت بالخطف على الهوية، ترويج المخدرات، تجنيد المرتزقة، وإحكام السيطرة على المحافظة بهدف إخضاع أهلها بسلطة السلاح و"التشبيح"، الأمر الذي أكّده معروف.

وفي هذا السياق، كشف أنّ "هذه الجماعات كانت تصنّع المخدرات محلياً، وبشكل خاص الكبتاغون في المحافطة، وكان العثور على آلات تصنيع مخدرات في مواقع عصابة فلحوط دليلاً على ذلك". 

وتستغل هذه الجماعات الفقر والعوز اللذين انتشرا بعد الحرب من خلال دفع الأموال إلى الشبّان لترويج المخدّرات، أو نقلها إلى الأردن عبر الحدود. وقد ظهر ذلك بشكل واضح مع تحسّن الظروف المادية (للعديد منهم) بشكل مفاجئ وغير مبرر، وتزامن هذا مع انتشار المخدرات بقوة في المنطقة.

لممارسات هذه الجماعات أسباب سياسية، أبرزها هوية هذه المنطقة وخصوصيتها، وعجز النظام السوري الدخول إليها وإخضاعها لسيطرته بشكل كامل وإقحامها بالحرب، كما فعل في باقي المحافظات التي باتت مدمرة بشكل كامل. إذ وطوال سنوات الحرب، كان لمحافظة السويداء خصوصية خاصة، فأهالي هذه المنطقة لم ينخرطوا بشكل مباشر في الحرب، ورفضوا أن يكونوا طرفاً  في قتال سوري – سوري.

لم يتقبّل النظام السوري موقف أهالي السويداء طيلة سنوات الحرب، وخصوصاً المواقف الأخيرة التي علت أصواتها في المنطقة، والتي باتت تطالب بالإصلاحات نسبةً لفساد رئيس النظام بشار الأسد وحاشيته الذين أظهروا غنى فاحشاً في حين ساءت أحوال السوريين، ولذلك، حاول مراراً افتعال الأزمات والفتن.

وقد يكون هجوم داعش في تموز من العام 2018 الدموي، والذي راح ضحيته أكثر من 250 شخصاً من سكان المنطقة، بغالبيتهم نساء وأطفال، والذي حصل تحت غطاء كامل من النظام السوري الذي أمّن دخول مقاتلي داعش ليلاً بعد قطع الكهرباء عن المنطقة لساعات، بعدما كانت قواته مخوّلة حماية المنطقة، أبرز مثال على ممارسات النظام والضغط الذي شكّله لتخويف أهالي المنطقة وتطويعهم.

ولا تنفصل محاولات إشعال الفتنة بين محافطة السويداء، ذات الغالبية الدرزية، ومحافظة درعا، ذات الغالبية السنّية، عن الإطار نفسه، وكلها تصب في خانة انتقام النظام السوري من هاتين المنطقتين العروبيّتَين، فالأولى بقيت على موقفها ورفضت الدخول في حرب الوكلاء وقتل السوريين الأبرياء خدمة لمصلحة أي من الدول المشاركة في الحرب، فيما الثانية كانت مهد الثورة السورية الذي انطلقت منه في العام 2011.

يعي أهالي المنطقة ممارسات النظام السوري، وهم لا يثقون أساساً به، لذلك، شكّلوا مع رجال دين دروز حركة "رجال الكرامة"، المسلّحة والمدرّبة للقتال العسكري، وذلك قبل سنوات، لكن الهدف منها كان حماية المنطقة من انتهاكات النظام وعصاباته، وليس إزهاق الدماء في حرب الغير، وكانت الحركة بقيادة الشيخ أبو فهد وحيد البلعوس، الذي اغتالته قوات النظام إلى جانب قائد "بيرق" آل نعيم، فادي نعيم، في العام 2015.

لن تكون الأحداث الأمنية التي حصلت قبل أيام الأخيرة، بل إنّ محاولات النظام السوري لن تتوقف للانتقام من أهالي المنطقة الذين تجنبوا الحرب والتجنيد الإلزامي، خصوصاً في الوقت الضائع الحالي حتّى الوصول إلى التسوية السياسية وإنهاء الحرب، لكن التعويل يبقى على حكمة أهالي المنطقة ووحدتهم اللتين عُرفا بها كمجتمع منذ سنوات، لتجنّب المزيد من إراقة الدماء في مستنقع الحرب السورية.