زعاطيطي للأنباء: السد الجاف ترك فراغاً كبيراً.. أين ذهبت مياه المسيلحة؟

بالفيديو: مشهد مخيف على طريق البترون - شكا.. تشقق وانهيارات وجريمة بيئية جديدة

28 تموز 2022 19:55:11

ينام اللبناني كل يومٍ ليستيقظ على أزمةٍ من هنا وكارثةٍ من هناك، فحياته باتت عبارةً عن حقلٍ من القنابل الموقوتة التي لا يعرف متى وأين ستنفجر وكيف سيكون وقعها، فبالإضافة الى كل الأزمات التي نرزح تحت ثقلها بدءاً من رغيف الخبز والمياه والكهرباء والتعليم، بيئتنا ترسل لنا الرسائل التحذيرية كل يومٍ، لكن هل ثمة من يرى أو يسمع؟

فاللبناني ليس فقط مهدد بأمنه الغذائي والصحي بل بات أيضاً مهدد بأمنه البيئي، فالبيئة في لبنان تعاني من ألف جرحٍ وجرح، تبدأ من سهوله وجباله وغاباته وشطآنه، مروراً ببحره وكل ما يجري فيه من مياه، ولا تنتهي بالهواء المحمّل بأصناف التلوث والأمراض القاتلة. 

إن هذا غيض من فيض الملفات العالقة، والتي لم توضع لها أية حلول، كالكسّارات والمرامل والمقالع، الماضية قضماً بالمساحات الجبلية، وتلويثاً للطبيعة ومجاري الأنهار، دون حسيبٍ أو رقيب.

ففي مسلسل جرائم البيئة والمشاريع العشوائية الجشعة، حلقة جديدة اليوم كشف النقاب عنها الأخصائي في دراسات وأبحاث الجيولوجيا المائية واستثمار المياه الجوفية الهيدروجيولوجي د. سمير زعاطيطي فنشر عبر حسابه على "فيسبوك" مقطعاً مصوراً يظهر غباراً متصاعداً نتيجة تشقق وانهيار جزء من الصخر الطيني بالقرب من المباني السكنية في أعلى جدار طريق البترون – شكا مقابل سد المسيلحة وعلّق قائلاً: "المنطقة في الأساس، عندما قاموا بشق طريق بين البترون وشكا، المتعهد قام ببيع المواد التي نتجت عن الحفريات الى معمل الإسمنت هناك، فهذه المواد تباع لأنها مواد تدخل في عملية تصنيع الإسمنت، السؤال هو لماذا جرى شق هذا الطريق بهذا العمق؟ كان بامكانهم أن يقوموا بالبناء في الأعلى وكان بامكانهم شق الطريق في الأعلى وأن يتركوا الأشجار التي تمنع هذا التشقق في التربة، فبالأساس شق الطريق بهذه الطبقة كان مبالغاً به وكان الهدف منه تجارياً، فلم يكن الهدف شق طريق جيدة وصالحة لمرور الناس بل كان الهدف هو البيع".

وقال زعاطيطي في حديثٍ لـ"الأنباء" الإلكترونية: "ما يحصل الان صيفاً هو نتيجة تشقق وتفسخ في سطح وداخل الطبقة الطينية التي تشكل حافة المرتفع المطلّ على الطريق العام، هذه الطبقة الطينية، في فصل الشتاء تتبلل وتتحول الى كتلة (وحل) أبيض وهذا الوحل يتمدد حجمه وينتفخ، فهذه المادة الصلصالية  (Marne) التي تتواجد في داخله والتي تتألف من ما يزيد عن الـ50% من الصلصال كما وكربونات الكالسيوم (المادة البيضاء) التي تعطي للوحل لونه الأبيض، عندما يزيد حجمها تتدفق وتنزلق الى المكان الفارغ وفي هذه الحالة الفراغ هو الطريق العام، أي أنها سوف تتدفق الى الطريق".

وأضاف: "قاموا ببناء حيطان دعم لكن هذه الحيطان ليس لها أساس فهي مبنية على ذات الطبقة الطينية، وأتت الضربة الكبرى في سد المسيلحة، أيضاً كل المواد التي تمت إزالتها تم بيعها، فبالإضافة الى الفراغ الذي نتج عن شق الطريق أتى سد المسيلحة الجاف ليترك فراغاً أكبر، قاموا ببناء حفرة كبيرة جداً، غداً الطبيعة ستملؤها، بالإضافة الى الإنزلاقات، حقاً المشهد مخيف وبرسم كل الوزارات التي تتعامل مع الطبيعة بازدراء وبدون أي دراسات ودون أي خبراء جيولوجيا أو أحداً يفهم بطبيعة الأرض ليأتي ويقول لهم أن هذه الأرض لا يمكن أن يتم البناء عليها دون معالجتها، يريدون أن يبنوا السدود وشق الطرقات دون مراجعة أحداً".

ورداً على سؤال قال زعاطيطي: "الخطأ بالأساس بدأ عندما جرى شق الطريق، "بدك تشق طريق ما لازم كان تغمّق بهذه الطبقة"، والخطأ الأساسي هو بالمهندس الذي أتى وهندس هذه الطريق لماذا حفرها بهذا العمق؟ الطمع، يريد أن يبيع المواد، كلما حفر أكثر كلما باع أكثر، لو أردنا أن نعمل عليها بطريقة علمية صحيحة كان يجب إقامة (جلول) بحيث نترك مجرى للمياه في كل جل من هذه الجلول ونقيم فيها الأقنية لتصريف المياه فالمهم أن نقوم بتفريغ هذه المنطقة من المياه، كما ويمكننا أن نقوم بزراعة الأشجار التي تمتص المياه بشكل كبير، أما الان لم يعد بامكاننا التدريج أو بناء (الجلول) وذلك لأنه تم بناء حائط عمودي، كما ويجب إزالة كل الأبنية التي جرى بناؤها في هذه المنطقة، والسؤال هو كيف تم إعطاء الرخص للبناء في هذا المكان بالذات على هذا (الشير)".

وأضاف: "الخطأ بالبداية كان بعدم وجود دراسة جيولوجية حقيقية، تراكمت فوقها الأخطاء القاتلة وأتى السد لـ"يقصف عمر المنطقة" أدى الى حفرة كبيرة جداً وفراغ كبير جداً بين حائط الطريق وبين حفرة السد، وهذه الحفرة لن تبقى على هذا الشكل فالطبيعة ستقوم بتعبئتها حكماً وذلك لأن هذا منطق الطبيعة التي تعمل وفقاً لقوانينها وليس حسب قوانيننا، لا أحد يستطيع أن يبرمج الطبيعة، يجب أن نفهمها وأن نسير معها لا أن نخالفها ونعاكسها".

وتساءل زعاطيطي: "أين الوزارات؟ وزارة الطاقة والأشغال والبيئة ماذا فعلوا؟ ليس ثمة من طريق صالحة ولا جسر صالح، ولا يوجد نبع إلا وهو ملوث، متى تريدون أن تعملوا وأن تتحركوا؟ العلم فيه شفافية لا يمكن أن تسرقوا، لا نريد منكم بيانات"، موجّهاً الدعوة الى إرسال خبراء تابعين لهم "ليخبروننا لماذا جرى بناء الطريق بهذا الشكل ولماذا تم بناء السد في هذا المكان"، مستغرباً عدم الحديث بموضوع السد، مستطرداً "السد فرغ، أين ذهبت مياه سد المسيلحة؟".

الفساد يهبط من أعلى إلى أدنى، والإصلاح يصعد من أدنى إلى أعلى، بدون مؤسسات رقابية قوية، يصبح الإفلات من العقاب هو الأساس الذي تُبنى عليه أنظمة الفساد، وإذا لم يتم القضاء على الإفلات من العقاب، فإن كل الجهود المبذولة لوضع حد للفساد ستذهب سدى.