أين موقع الدولة من وظيفتها الإجتماعية في الموازنة المطروحة؟

إن المعيار الأساس لوضع الموازنة الوطنية، أن تعمد الدولة في خطوةٍ إستباقية وكمرحلة تحضيرية إلى إعداد دراسة إقتصادية لكافة القطاعات والأنشطة الإنتاجية والخِدمية لواقعها الحالي، والتي على أساس نتائج تلك الدراسة تضع الدولة وفي خطوتها التالية التصورات حول كيفية تطوير هذه القطاعات بعد تحديد مكامن الضعف فيها، لتنتهي بعدها إلى تحديد أرقام الموازنة فتأتي على قاعدة علمية إحصائية وازنة. ذلك أنه ومن المتعارف عليه في عِلم الإقتصاد والمالية العامة أن الموازنات لا يحكمها الجماد، وبالتالي لا تخضع إلى تقنيات الإقتباس والنسخ (Copy Paste)، حيث أنها تهدف إلى تحسين لا بل إلى تحديث الأداء في إدارة الملفات الإقتصادية والإجتماعية للبلاد.

فقد بات واضحًا للعيان وفي موازنة العام 2019، أن الهمّ مزدوجًا لدى الحكومة، أولها: هو إقرارها للموازنة بأية طريقة وعلى عجالة، وثانيها: هو خفض حجم العجز باللجوء إلى أية وسيلةٍ من الوسائل.

كما ينجلي الوضوح أكثر، في عدم إكتراث الحكومة لحال المواطن اللبناني وإلى سبل عيشه. والدليل أنها قد مسّت بمشاعر العديد من الفئات المجتمعية من خلال المسّ بحقوقهم المالية.

وهذا ما يطرح التساؤل حول مدى قانونية التصرّف في إقرار هذه الخطة الوطنية. أولها: حين إستبعاد المفهوم العام لتحضير الموازنات، وهو أنها تؤسّس إلى النظام أو الخطة المستقبلية للحكومة، إنْ الإقتصادية أو الإجتماعية. وثانيها: الخرق في المبدأ الأساس لإقرارها والضرب بعرض الحائط للجدوى الإقتصادية والإجتماعية منها وبما نصّ عليه الدستور.

عمليًا، لم تلحظ الموازنة خطة تطوير للأساليب الإنتاجية والتي تسهم في رفع معدّلات النمو للناتج المحلي الإجمالي، والتي تعزّز مبدأ توزيع الثروة من جهة، وما قد تسهم وبالحدود الدنيا من خفض حجم المديونية العامة من جهةٍ أخرى، بحيث تكشف بالمقابل عن تخفيف الحصة الفردية عن كاهل أبناء المجتمع اللبناني، وبالتالي تقليل الإرث من الدَين العام على الأجيال القادمة.

فقد شكّلت الموازنة إعترافًا ضمنيًا من الدولة في عدم قدرتها من إحكام سيطرتها على تنامي حجم المديونية العامة وأعباء خدمتها، بحيث أظهر قصور الدولة على ضبط هذا التنامي عامًا بعد عام. وهذا ما يحدو بالدولة إلى تعديل سياستها وفلسفتها في تنظيم ووضع موازنتها الوطنية والتي تُظهر أرقامها عن عجزٍ تراكمي في تغطية نفقاتها الجارية. في حين أنه وبالمقابل، يصار إلى تغطية تمويلات مشروعات الدولة من خارج الموازنة وعن طريق الإستدانة، بحيث تتخلّى الموازنة عن لعبِ دورها الإسترشادي والمعبّر عن خطة الدولة للمرحلة القادمة.

وعمليًا أيضًا، لم تشر الموازنة إلى سياسة إستثمارية واضحة المعالم في بنودها، في نيّة الدولة لما يسمى الإنفاق الإستثماري على قطاعاتٍ هي الأكثر حيوية والتي تخلو من الريعية، كقطاعي الزراعة والصناعة ليقابلها بالمنطق الطبيعي تطورًا إيراديًا متوقعًا من هذه الإنفاقات. في حين أشارت إلى تركيزٍ عشوائي على خفض بعض النفقات التي قد تحمل تأثيرات إقتصادية وإجتماعية على المديَين المتوسط والطويل كتلك التي تتعلق بإنتزاع الحق الإقتصادي للمتعاقدين.

فقد إختلط المعيار التقشفي لمفهوم بعض بنود الموازنة ما بين تلك التي تشكّل إنفاقًا إستثماريًا وبين التي تشكّل إنفاقًا جاريًا أو إستهلاكيًا وبما يتعارض مع القواعد والمفاهيم العلمية في تحديد أسس وضع الموازنات على وجه العموم. وفي هذا ما قد ترتدّ سلبياته على التذبذب في معدّلات النمو للناتج المحلي الإجمالي.

أما من حيث مصادر تمويل الموازنة، والذي يؤلف العامل الأهم في تحديد التوجّهات السياسية العامة والسياسات المالية للدولة. فقد ضربت عناصر التمويل بمبدأ الحق الديمقراطي الإقتصادي وبالعدالة الإقتصادية حينما جرى البحث عن تلك المصادر عبر التشتيت للسياسة الضريبية بطريقة إنتقائية متسرّعة خالية من أية هندسةٍ ضريبية وعلى غير قاعدةٍ علمية وإحصائية في تمرير رفع الشطور التصاعدية بعد زيادتها والتي قد لا تسهم في رفع مداخيل الخزينة العامة، بدلًا من تعديل ورفع الضريبة النسبية على الشركات الكبرى وعلى كبار المكلفين وإخراج أموالهم المكدّسة من خزائنهم، كما وعدم اللحظ للتوجّه إلى تحرير الأملاك العامة البحرية والنهرية من أيدي المتنفذّين من أهل الإقطاع الرأسمالي والسياسي وإلى فرضها للغرامات التي قد تعوّض ما حُرم منه الشعب اللبناني لعقودٍ خلت. هذا إلى جانب ما قد يشير إلى تفعيل الرقابة على التخمينات العقارية والتي تسهم في رفع واردات الخزانة العامة وإلى ضمان حقوق الدولة والمجتمع على حدّ السواء.
من هنا، لم ترتكز السياسة الضريبية إلى مبدأ توزيع العبء الضريبي على مختلف شرائح الدخل وعلى تحميل رأس المال القسط الذي يستحقه من الضريبة، وفي هذا إبتعاد عن فكرة العدالة الإجتماعية.

في المحصّلة، فإن أقل ما يقال أن المجتمع اللبناني قد يواجه حربًا إقتصادية مفتعلة - إذا جاز الوصف - تقع وبالًا عليه، مهندسوها طبقةٌ تخضع لسيطرة الرأسمالية المتوحشة وتنفّذ مخططاتها في عملية ممنهجةٍ لإفقار الشعب اللبناني وإخضاعه لسيطرتها. 

وهذا ما يعيد إلى الواجهة البحث عن مفهوم الأمن الإقتصادي الذي بات مفقودًا في خضّم لجوء الرأسمالية تلك وببراعتها إلى خلق الأزمات ونشر ثقافة الفوضوية الإقتصادية عبر نشر حملاتٍ لمشروعاتٍ إقتصادية واهية هنا وهناك، بدءًا في الشروع بإطلاق حملة تنفيذ خطة الكهرباء المزعومة - حيث رأينا إحدى فصولها في المنصورية -، إلى المسّ بالحقوق المادّية للمتقاعدين، مرورًا بقضية أصحاب الشاحنات في المرفأ ومحاولة صدامهم مع الإتحاد العمالي العام، كما وقضية موظفي المصرف المركزي وما نتج عنها من نشر الذعر في أسواق القطع وتذبذب أسعار العملات وتحريك العصب الوطني في المسّ بالعملة الوطنية، وغيرها العديد..، ما أدّى إلى التحركات الإعتراضية متوزعة مناطقيًا، وذلك في خطوة جريئة لتشتيت حركية هذه المطالبات الشعبية وتوزيعهم فرقًا صغيرة للتمكّن من إحكام السيطرة عليهم في أماكن تواجدهم وإعتصاماتهم.

فهل تخلّت الدولة عن دورها الأسمى وهو الوظيفة الإجتماعية الراعية لمصالح الشعب، لتستسلم في أمرها إلى آليات السوق الرأسمالية التي لا تُعر إهتمامًا إلى قيمة الإنسان وإلى التنمية البشرية؟!

(*) خبير في قانون المحاسبة لدى المحاكم التجارية.