محاولات متجددة للتلاعب بالدستور وقلب صفحة اتفاق «الطائف»

26 حزيران 2022 23:07:02

من الواضح أن منطلقات التعاون بين التيار الوطني الحر وحزب الله الذي تأسس في العام 2006 ـ او قبل ذلك ـ قد بنيت على خلفيات العداء لاتفاق الطائف، والمحاولات حثيثة منذ ذلك التاريخ لنسف أسس هذا الاتفاق الذي أنهى الحرب الأهلية عام 1989، وأسس لجمهورية ثانية اعتمدت المناصفة بين المسلمين والمسيحيين بصرف النظر عن العدد، وأرسى النظام البرلماني الذي يحفظ المشاركة والميثاقية من دون أي تعطيل لمؤسسات الدولة، وأعطى دستور الطائف السلطة التنفيذية لمجلس الوزراء مجتمعا، بعد أن كانت مناطة برئيس الجمهورية ويعاونه الوزراء، والرئيس الحالي ميشال عون هو الوحيد الذي لم يشارك في توقيع الاتفاق في حينها، وحزب الله لم يكن قوة فاعلة في ذلك الوقت.

يبدو واضحا أن البند الأساسي غير المكتوب في وثيقة التفاهم التي وقعت بين الرئيس ميشال عون والسيد حسن نصرالله في كنيسة مار مخايل في 6 فبراير 2006، كان تأسيس مقاربة جديدة تؤكد أن دستور الطائف فيه اختلال كبير ويجب تعديله بالممارسة او عن طريق التأسيس لاتفاق جديد. والخلفية التي ينطلق منها الفريقان، هي استعادة صلاحيات رئيس الجمهورية كمطلب يلاقي بعض التأييد في الشارع المسيحي، وطي صفحة «الطائف» وما تحمله من رمزية، وإنشاء منصب نائب رئيس للجمهورية للطائفة الشيعية، وهما مطلبان أساسيان لحزب الله وحلفائه الخارجيين. وبين سطور هذين الهدفين غير المعلنين، من الواضح أن صلاحية رئيس الحكومة السني هي المستهدفة، لاسيما بعد أن تعزز دورها بالنص وبالممارسة مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي قاوم كل أشكال الالتفاف عليها، لاسيما في مسألة التكليف والتأليف.

حالة التشتت «السني» التي نتجت عن الانتخابات الأخيرة بسبب غياب تيار المستقبل يعتبرها «ثنائي مار مخايل» وحلفاؤهم فرصة ذهبية للانقضاض على الواقع الذي أرساه اتفاق الطائف وكرسه بالممارسة الشهيد الحريري، وقد يكون إيصال البلاد إلى هذا الوضع القاسي من التردي المالي والاقتصادي إحدى أدوات نسف البنيان الدستوري برمته لإعادة بنائه وفقا لتوجهات، أو معادلات جديدة، تحاكي طموحات هؤلاء الشخصية والطائفية والخارجية.

ويحاول أطراف الثنائي الإيحاء أن طبيعة النظام الذي يسمح بالتعطيل هي التي تقف وراء الانهيار الذي يصيب البلد، بينما في واقع الحال فإن التعطيل الذي أضعف الدولة ودمر حراكها الاقتصادي وعلاقاتها الخارجية، هو من فعل الأشخاص الذين تولوا الحكم من هذا الفريق بالذات، وحاول بممارساتهم الالتفاف على كل القواعد الدستورية وأعرافها، ومنها تأخير تشكيل الحكومات، وابتزاز رؤسائها عند تكليفهم، وإبان مرحلة التأليف، وجعلوا من توقيع رئيس الجمهورية الإجرائي وفقا للأعراف البرلمانية، عقدة العقد لتأخير التأليف، بينما الرئيس هو حكم بموجب الدستور، ويرأس كل مؤسسات الدولة من دون أن يكون فريق بين المتخاصمين.

وتؤكد مصادر واسعة الاطلاع أن محاولات حثيثة تجري لتعطيل تأليف حكومة جديدة، وكذلك لتعطيل عملية انتخاب رئيس جمهورية جديد بعد شهرين، والمقصود من ذلك خلق تبريرات لبقاء الرئيس عون في بعبدا بعد تاريخ انتهاء ولايته في 31 أكتوبر، بحجة أنه لا يجوز ترك المنصب الأول في الدولة شاغرا، وتسليم صلاحياته لحكومة تصريف أعمال لا تستطيع أن تتخذ قرارات لمواجهة خطورة المرحلة، ومن المعروف أن صلاحيات الرئاسة يمارسها حاليا فريق سياسي يترأسه النائب جبران باسيل وبالتعاون مع حزب الله، نظرا لعدم قدرة الرئيس الصحية على متابعة كل تفاصيل ما يجري.

وتقول هذه المصادر إن اتفاق الطائف أنهى الحرب في لبنان، ويخشى أن تؤدي محاولات الإطاحة به إلى عودة هذه الحرب، أو إلى فوضى عارمة على أقل تقدير.