زيارة بايدن الى السعودية: العودة إلى الالتزامات التقليدية ام البحث عن زيادة انتاج النفط؟

18 حزيران 2022 17:33:53

مرة جديدة تعود المملكة العربية السعودية لتكون في قلب الحدث وتشكل المرجعية الاقليمية التي لا يمكن تجاوزها، إذ أعلن الثلاثاء الماضي عن زيارة الرئيس الاميركي جو بايدن الى الرياض والتي تهدف بحسب البيت الابيض الى مواجهة التحديات المشتركة وتعزيز العلاقات الاستراتيجية بين البلدين. تأتي هذه الزيارة بعد جفاء دام أكثر من عام وانعدام للثقة بين قادة المملكة وادارة بايدن، على خلفية رفع الحوثيين عن لائحة الارهاب، وسياسة التنازلات امام طهران في مفاوضات العودة الى الاتفاق النووي، وعدم الاخذ بهواجس المملكة والحلفاء التقليديين واستمرار التراجع عن الالتزامات الامنية تجاه المملكة.

الاسئلة العديدة التي تطرح حول الزيارة تبدو مشروعة، بدءاً بالأسباب التي تقف وراءها في هذه الفترة من التوترات الجيوسياسية على خلفية الحرب في اوكرانيا، مروراً بارتفاع حدة المنافسة الاميركية -الصينية في منطقة المحيط الهادئ، ووصولاً الى طرح إيران مطالب خارج إطار الاتفاق كما يقول المسؤولون الاميركيون، وبالتالي انسداد افق التوصل للعودة الى الاتفاق النووي مع طهران. ربما مهدت جميع هذه الاسباب للزيارة المرتقبة، ولكن التحولات الاستراتيجية التي تجري في خريطة الطاقة العالمية والتحديات التي تواجه البيت الابيض في ارتفاع اسعار الطاقة، والبحث عن بدائل للنفط والغاز الروسي شكلت المحرك الاساسي الذي دفع البيت الابيض لتخطيط زيارته الى المملكة، إذ تشكل السعودية المرجعية الاساسية للتخفيف من مخاطر الطاقة الجيوسياسية التي تسببت بها الحرب في اوكرانيا. وبحسب مجلة فورين افيرز "فإن هذه الحرب اعادت امن الطاقة الى الواجهة ….. وتعيد رسم خريطة الطاقة في العالم، مما يبشر بعهد جديد يتأثر فيه تدفق الوقود الأحفوري بالمنافسات الجيوسياسية بقدر ما يتأثر بالعرض والطلب".
 

السعودية الشريك الاستراتيجي الموثوق 

تحولت السعودية بعد بداية الحرب في اوكرانيا الى ما يشبه دولة "الحج السياسي " حيث شكلت الزيارات الرسمية الاوروبية والاميركية والبريطانية الى المملكة والاجتماع بولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان وكبار المسؤولين فيها، الترجمة الواقعية للموقع الحاسم والاستراتيجي الذي تحتله المملكة في هذه المرحلة من التحولات، التي تشهد ازمات التضخم والغذاء والطاقة والتي تنبىء بتغييرات هيكلية في نظام الطاقة والتجارة العالمية وفي العلاقات الدولية. ولقد شكلت زيارة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الى المملكة بعد سنوات من الجفاء والاستغلال التركي لمقتل الصحافي جمال الخاشقجي، لتؤكد حاجة تركيا لتهدئة الوضع مع المملكة التي تلعب دوراً هاماً في التوازنات الاقليمية التي تشهد إعادة هيكلة التحالفات في الشكل والمضمون الذي لم يكن تصورهما قبل سنوات. ويمكن القول أن زيارة الرئيس بايدن المرتقبة إلى المملكة العربية السعودية في منتصف تموز/يوليو المقبل، ستلعب بالتأكيد دوراً رئيسياً في بلورة وتعزيز هذه التحالفات، وستشكل مناسبة للقاء ولي العهد الامير محمد بن سلمان بعد مرحلة اتسمت بتجنب الرئيس الاميركي التحدث اليه مباشرة على الرغم من ادراكه لدوره الاساسي في القيادة السعودية وبالتالي في صناعة السياسة الخارجية للمملكة.  كما اتسمت بتوترات ومخاوف وانتقادات سعودية علنية لتوجهات ادارة بايدن باعادة ضبط العلاقات مع المملكة العربية السعودية بما يتوافق مع مصالح اميركا ورؤيتها الجديدة للمنطقة، والعودة الى الاتفاق النووي مع إيران والاستمرار بتكريس "عقيدة اوباما" المتمثلة في تقليص الالتزامات العسكرية الأميركية تجاه الشركاء القدامى، لدرجة صح فيها القول أن ادارة بايدن تمثل الولاية الثالثة لاوباما. لكن ادارة بايدن لم تذهب الى حد تهديد الشراكة الاستراتيجية مع المملكة، إذ استمرت واردات الأسلحة الأمريكية الى السعودية تمثل نحو 80% من اجمالي واردات السلاح السعودية، كما استمرت المملكة بمثابة حجر الزاوية في الحرب على الارهاب وبقيت على التزاماتها في التنسيق الأمني ??مع الولايات المتحدة الاميركية. وعلى الرغم من التوجهات التي شكلت مصدراً للقلق لقادة المملكة والتنازلات امام ايراني التي ظهرت في سلوك فريق ادارة بايدن، بقيت الشراكة الاميركية-السعودية بمثابة القدر والخيار الذي لا يمكن للطرفين القفز فوقه او التفريط به في مرحلة تتسم بتحولات جيوستراتيجية وسيكون لها التأثير البالغ في إعادة تشكيل التوازنات الدولية والاقليمية المقبلة. ولعل تصريح وزير خارجية اميركا انطوني بلينكن في وصف الشراكة مع السعودية بانها "شراكة حيوية " ما يعبر عن اعادة تقييم للمسار والخيارات التي انتهجتها ادارة بايدن في الشرق الاوسط والتي كانت موضع انتقاد شديد من قادة المملكة وحلفاء اميركا التقليديين.

النفط مقابل الامن 

صحيح أن زيارة بايدن الى السعودية في هذا التوقيت مهمة لتعزيز العلاقات الاميركية السعودية، وقد يشكل لقاءه مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والاردن والعراق خلال هذه الزيارة مناسبة ليسمع شكاوى ومخاوف الحلفاء. لكن الواقعية تقضي بعدم الغرق باوهام من شأنها ان تُحَمل زيارة بايدن الى المملكة ما لا تستطيع حمله. وعلى الرغم من اعلان البيت الابيض أن زيارة الرئيس الى السعودية ستعزز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين ولن تقتصر على البحث بالطاقة،  بل تتعداها الى قضايا مشتركة ومتعددة إذ صرح عدد من المسؤولين الاميركيين أنها ستتناول الدور الايراني المزعزع للاستقرار وامن البحر الاحمر ، فإنه من المبكر النظر الى هذه الزيارة وكأنها نتاج لتغييرات جذرية في استراتيجية بايدن او نهاية "لعقيدة اوباما " التي تهدف الى تقليص الالتزامات الاميركية في المنطقة وعدم التصادم المباشر مع ايران ، لان الاهتمام الاميركي الاساسي يتم تركيزه في هذه المرحلة لاحتواء الصين في منطقة المحيط الهادىء. ومن المبكر ايضاً، فهم التوجهات الاستراتيجية لادارة بايدن وكيفية التعامل مع إيران إذا سقطت نهائياً فرص العودة الى الاتفاق، واستمرت طهران في رفع نسبة تخصيب اليورانيوم واقتربت من عتبة الحصول على القنبلة الذرية. فهل سنشهد استراتيجية التعامل مع إيران النووية، أم تقود اميركا مواجهة لمنعها من دخول نادي الدول النووية؟ 

يجب الاعتراف بأن الواقعية السياسية التي ظهرت لدى بايدن وادارته، قد املتها ظروف الحرب الروسية وتداعياتها الجيوسياسية على اسعار الطاقة التي تنذر بعواقب وخيمة للديموقراطيين وهم على ابواب انتخابات الكونغرس النصفية. والاجراءات التي قامت بها ادارة بايدن بتحرير حوالي 180 مليون برميل نفط في ابريل الماضي من الاحتياط الاستراتيجي، لم تؤد الى تخفيض سعر البنزين الذي يثير غضب الاميركيين ويتسبب بتراجع شعبية الرئيس، الامر الذي جعله يرفع الصوت متهماً الشركات الاميركية بتقليص الانتاج لتحقيق الأرباح. كما أنه من غير المحتمل أن يؤدي القرار الذي صدر في الامس ببيع 45 مليون برميل نفط من الاحتياط الاستراتيجي إلى احتواء ازمة ارتفاع الاسعار. ولا شك في ان قرار اوبك في زيادة الانتاج في الاجتماع الاخير لاقى ارتياحاً لدى بايدن وادارته، وبالتأكيد سينعكس ايجاباً على العلاقات الاميركية السعودية. لكن في النهاية، فَشَلْ ادارة بايدن بعزل روسيا ودخول الحرب في اوكرانيا مرحلة حرجة، تفترض بنظر المسؤولين الغربيين اتخاذ قرارات صعبة، وتجاهل السعودية لطلبات زيادة الانتاج، وحملات الضغط التي تواجهها هذه الادارة من الكونغرس في جناحيه الديمقراطي والجمهوري لوقف سياسة التنازلات مع إيران، كلها عوامل ساعدت في التحول الذي نشهده في مواقف البيت الابيض. وأفضل ترجمة لاهم اسباب هذا التحول اختصرها الأدميرال المتقاعد دينيس بلير، الذي شغل منصب أول مدير للاستخبارات الوطنية للرئيس باراك أوباما، بالقول: "على الرغم من الجهود المبذولة لتحويل السياسة الخارجية الأمريكية بعيدًا عن المنطقة، فإن الحرب اعادت الشرق الأوسط إلى مرتبة المصالح الأمريكية". وتابع "نحن بحاجة إلى أن تكون لدينا علاقة معاملات مع السعودية مفتوحة للغاية، حيث يتعين علينا العودة إلى أن نكون المزود النهائي للدفاع حتى نتمكن من تزويد وسائل النقل لدينا بالكهرباء والانتقال إلى مصادر طاقة أكثر تنوعًا". وفي المقابل قال مسؤول سعودي وفقاً لصحيفة Wall Street Journal: "لقد علم الغزو الروسي للعالم شيئًا واحدًا بصوت عالٍ وواضح: نحن بحاجة إلى مزيد من النفط السعودي "أصبحت الأسعار عبئاً سياسياً على بايدن، الذي لديه خيارات محدودة لكبحها". بالتأكيد، زيارة بايدن الى المملكة وطي صفحة تجاهل ولي العهد محمد بن سلمان ستعزز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين وتعيد الثقة الى مسارها الطبيعي. كما انها ستشكل دفعاً لمسار التحالفات التي تتشكل في مواجهة إيران وميليشياتها. وبانتظار فهم المدى الذي ستذهب اليه ادارة بايدن في التعامل مع الملف النووي الإيراني، يبقى السؤال: هل تفتح ازمة الطاقة الطريق نحو اتفاق استراتيجي بين السعودية والولايات المتحدة الاميركية محتواه "النفط مقابل الأمن"؟.