الترسيم بعهد عون أو خلَفِه؟

10 حزيران 2022 08:36:47

يبدو أن لعبة إبقاء الموقف من طروحات الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين غامضاً ليس مقتصراً على المفاوض اللبناني. فالجانب الأميركي هو الآخر أخذ يعتمد النهج نفسه وهو الآخر يتقنه بموازاة سمعته البراغماتية. أما الجانب الإسرائيلي فليس معروفاً عنه أنه لا يتقن فن قول الشيء وفعل عكسه، وتغطية السماوات بالقبوات وإقحام أي تفاوض في دهاليز ربح الوقت والإفادة منه إلى أقصى حد.

قد يكون مفهوماً تكتم المسؤولين في الدول الثلاث، أميركا ولبنان وإسرائيل، على جانب من العرض الخطي المزدوج الذي أرسله هوكشتاين بعد زيارته الأخيرة في شباط الماضي، والذي يتضمن خيارين. فكل ما عُرِف عن هذا العرض وخرائطه أنه يرسم الخط 23 الذي سلّم به الرؤساء الثلاثة في شكل متعرج عند الجزء الصغير من حقل قانا الذي يقع جنوب الخط المستقيم أي في المنطقة الإسرائيلية المفترضة بحيث يحصل لبنان على الحقل كاملاً. ونظرية المفاوض اللبناني بعد التسليم بالخط 23، هي التسليم من الجانبين الأميركي والإسرائيلي بحقل قانا كاملاً للبنان، مقابل التسليم اللبناني بحقل كاريش الذي يقع شمال الخط 29، لإسرائيل. 

وأراد المفاوضون اللبنانيون (على المستوى السياسي) تجنب اقتراحات سابقة لتقاسم لبنان وإسرائيل الإنتاج من حقل قانا عبر شركات استخراج النفط والغاز، والتي كانت شركة إيطالية طرحتها ثم كررها هوكشتاين في زيارته الأولى في تشرين الأول الماضي. ومع أن الفريق اللبناني الذي وافق على فكرة التقاسم هذه ويعتبرها قابلة للتطبيق هو الفريق الباسيلي الذي يبرر ذلك بأن الخط القائم في عمق المياه هو المهم وليس القائم على سطح البحر، بات معروفاً أن الرؤساء الثلاثة رفضوا فكرة تقاسم الإنتاج هذه عبر الشركات لأنها تضمر تطبيعاً مع العدو. حتى هذا القدر من المعطيات يبدو الأمر مفهوماً. لكن هوكشتاين لم يكتفِ برسم الخط 23 متعرجاً عند الجزء المتداخل مع المنطقة الإسرائيلية لحقل قانا، بل أعاد رسمه متعرجاً في الجزء المتبقي بحيث تحصل إسرائيل على مقابل المساحة التي قضمها التعرج لضمان كامل قانا للبنان، فجاء التعرج مجحفاً في حق لبنان بحيث يقضم جزءاً لا بأس به من البلوك الرقم 8 العائد للبنان، بحجة أنه «يجب أن نعطي شيئاً مقابلاً لإسرائيل»، بعد تخليها عن كامل قانا. عند هذه النقطة علِقت المفاوضات، وعند هذا التعرج الذي رسمه هوكشتاين في عمق البحر تمت صياغة الرد اللبناني على مقترحاته المكتوبة، جرى إنجاز كتابته من دون إرساله إلى الوسيط الأميركي. فمقترح الأخير يشتم منه لبنان محاولة لمقايضة قانا بحقل آخر غير كاريش، الذي بات مسلماً به لمصلحة إسرائيل، وسعي متكرر لجره إلى فكرة تقاسم الإنتاج عبر شركات إنتاج النفط والغاز ولكن في منطقة تقع في عمق البحر وهي أقرب إلى قبرص. وإذا صحت الرواية القائلة إن إسرائيل أجرت مسحاً جيولوجياً ثلاثي الأبعاد في تلك المنطقة، لم يقم به لبنان، وأظهر أن كميات الغاز والنفط فيها واعدة جداً، وتفوق بأهميتها سائر الحقول، فإن المخفي من وقائع المفاوضات المحرجة للجانب اللبناني يكمن في هذا الجزء من خريطة الغاز في البحر.

قد يكون إغراق اللبنانيين في تفاصيل الخطوط وتعرجاتها والحديث عن الخط 29 الذي تخلى عنه لبنان منذ زمن، والتكتم على الوقائع الجوهرية لعروض هوكشتاين التي أوجبت تقصّد تأخير إرسال الرد اللبناني الخطي إلى واشنطن، تهدف إلى التغطية على حقيقة التنازلات المطلوبة من الرؤساء الثلاثة من جهة، أو على التفاوض في شأن هوية الشركات النفطية المطلوب تلزيمها عمليات التنقيب والحفر والاستثمار، وهي العملية التي تشملها مهمة هوكشتاين بعد إنهاء العقود التي تشمل الشركة الروسية «نوفاتيك»...؟

ومع كل هذه التفاصيل هناك من ينتظر الجواب على سؤال مفصلي يعتبره الأساس، ويدور في الوسط السياسي المتابع عن كثب لما بلغته المفاوضات: هل إنجاز الاتفاق على ترسيم الحدود البحرية سيتم قبل نهاية ولاية الرئيس ميشال عون الذي يلح على ختم عهده به نظراً إلى الانعكاسات المعنوية والاقتصادية الإيجابية لهذا الاتفاق، أم أن المطلوب إبقاء الترسيم معلقاً إلى حين انتخاب الرئيس الجديد للجمهورية حتى يبدأ عهده بهكذا إنجاز؟