هل ينخرط حزب الله في الحياة السياسية اللبنانية؟

31 أيار 2022 15:08:56

 مارس اللبنانيون في 6، 8، و15 آيار 2022 تجربة انتخابية نيابية كانت، رغم بعض الشوائب العادية، ناجحة جداً بكل المعايير التقنية والجوهرية، بل عدّها كثير من المعلقين العرب درساً في الديمقراطية للعرب الخائفين من فكرة الانتخابات. وعدّها نبيل عمرو، مستشار الرئيس الفلسطيني، درساً للفلسطينيين، وفحواه أن أقبلوا على الانتخابات في غزة والضفة وتداولوا النجاحات والإخفاقات ففي ذلك مصلحة أكيدة للشعب الفلسطيني.

في النجاحات، اثبتت الانتخابات النيابية، ويخاصة في نتائجها غير المتوقعة، أنها الأداة الرئيسية للتغيير السلمي الموثوق. فهي أسقطت أطروحة بعض اليسار العربي التقليدي من أنها أداة برجوازية مزوّرة للإرادة الشعبية. بيّنت الانتخابات اللبنانية الأخيرة أنها كانت بالعكس معبّرة عن الإرادة الشعبية بنسبة عالية؛ وأن الناس لجهة النتائج التي أسفرت عنها تتحمل مسؤولية اقتراعها. 

أثبتت الانتخابات أن التغيير السلمي في الأنظمة والمجتمعات ممكن وليس مستحيلاً، شرط أن يُقدم التغييريون، وأن يُظهروا كما حدث في غير منطقة لبنانية القدرة على الارتقاء إلى مستوى توفير متطلبات عملية انتخابية معقدة وبخاصة لجهة التصميم على المواجهة والتنطيم في إدارة معركتهم الانتخابية. 

وفي الإطار عينه، أظهرت الانتخابات (في المجالين اللبناني والعربي عموماً) أن الدعوات المتطرفة للعنف سبيلاً وحيداً للتغيير في الأنظمة الجائرة ليست في محلها، بل إن أي عنف في مواجهة سلطة مستبدة إنما يوفر لها تبريراً إضافياً لاستمرارها في ممارسة العنف تحت زعم حماية السلم الأهلي ودرء المخاطر الإرهابية. التغيير السلمي ممكن ولو استغرق بعض الوقت وهو قادر أن يؤتي ثماره المرجوة فيما لو توفرت شروطه الداخلية التنظيمية. إن أي عنف مسلح تُقبل عليه أية معارضة تحت زعم مقاومة نظام مستبد إنما هو أكبر هدية تُقدّم لذلك النظام المستبد لتبرير استمرار عنفه وإضفاء الشرعية على ممارساته اللاديمقراطية.

أثبتت الانتخابات اللبنانية الأخيرة أن المجتمع الدولي حقيقة ثابتة ساطعة ليس في وسع أي أية جهة محلية، أو نظام سياسي عربي، تجاهلها. وعليه يمكن استثمار الضغط الدولي باتجاه المساعدة في التحول الديمقراطي السلمي، Democratization، من دون تدخل خارجي في هوية الانتخابات ونتائجها.

أظهرت نتائج الانتخابات النيابية اللبنانية الأخيرة، وبخاصة كسر هيمنة حزب الله وحلفائه على المجلس النيابي، وخسارتهم لأكثرية موصوفة (74 مقعداً من 128) لتصبح حصتهم في حدود 50 مقعداً لا أكثر، وارتفاع حصة التغييريين والمستقلين والسياديين إلى حدود عالية، أن اللبنانيين توّاقون لتغيير جوهري في اتجاه السياسة العامة للبلاد. إن أولوية اللبنانيين كما أظهرتها نتائج الانتخابات هي القضايا الداخلية (الاجتماعية والاقتصادية والسيادية) بالدرجة الأولى، وكما في أي مجتمع سياسي طبيعي. لم تعد الدعوات الشعبوية (العالية النبرة والغامضة في آن) لمقاومة إسرائيل خطاباً كافياً لإقناع اللبنانيين، رغم التأييد الذي لا يناقش في إدانة الاحتلال الإسرائيلي وممارساته. إلا أن أكثرية الناس كما أظهرت النتائج لم تكن موافقة أن تكون يافطة المقاومة، التي لا اعتراض عليها، غطاء لخطاب لم يكن موفقاً في شيطنة تحركات الإصلاحيين والتغييريين، وكذلك شيطنة أي انفتاح على العالم الحر، وإغراق أصحابه بالتهم الجاهزة. كل ذلك لم يكن مقنعاً  لأكثرية الناس، وقد عبّرت صناديق الاقتراع عن موقفهم الرافض ذاك. 

كما أثبتت نتائج إقتراع لبناني الخارج، والتي صبّت غالبها في ما يشبه التسونامي لمصلحة التغييريين والمستقلين والسياديين، أنها عنصر حاسم في توجيه دفة السياسة العامة. ودلّت أكثر من ذلك، أنه بمقدار ما يتحرر اللبناني من القيد "المكاني"، يتحرر بالنتيجة من القيد السياسي العشائري والطائفي والحزبي. خذ مثلاً الفارق بين نتائج تصويت منطقة معينة، مقارنة بتصويت لبنانيي المنطقة نفسها في المغتربات، والذي جاء مخالفاً تماماً وبنسبة عالية. هو ملمح يجب لحظه في ضرورة إتاحة إمكانية الاقتراع وفق مكان الإقامة لا الولادة، ولمزيد من الديمقراطية.

يطول سرد لائحة النجاحات التي تحققت مع الانتخابات الأخيرة رغم شوائب جرى تسجيلها ويجب العمل على معالجتها لاحقاً، وبخاصة لجهة حماية المرشحين والأصوات المعارضة في المناطق الموسومة باللون واحد. 

إلا أن الأمر اللافت في ظل اللوحة السابقة، أن حزب الله، ورغم خسارة معظم حلفائه في غير منطقة لبنانية (المردة، السوري القومي، البعث، جزين، وغيرها)، أبدى ويبدي حماسة جلية، تفصيلية، للإنتخابات، ولنتائجها، معلناً قبولها، وحماسة ودفاعاً عن دوره فيها.

المعنى الواضح في ذلك، حتى وإن لم يُعلن صراحة، هو أن حزب الله حريص أن يُظهر انتسابه للنظام السياسي اللبناني الحالي، واستعداده للإنخراط في آلياته السياسية. 

هذا تطور فعلي في إداء حزب الله، يعبّر عن الخروج النسبي على منطلقاته النظرية المعلنة أواسط ثمانينات القرن الماضي. كما أن يتعارض مع الخطاب المتكرر لغير مسؤول في الحزب طوال السنوات الماضية والتي تتبرأ من النظام السياسي اللبناني باعتباره في "أصل" الفساد، ومسؤولاً عن المشكلات الاقتصادية والمالية، ناهيك عن "وجهه" السياسي الغربي المرفوض من الحزب.   

هذا تطور يستحق التوقف عنده لا إهماله. قد لا يكون كافياً لإظهار نقلة كبرى في استراتيجية الحزب للمرحلة القادمة – بمعزل عن تحالفاته الإقليمية، وربما سعيه للتمايز عنها. 
إلا أن هذا التطور، وكي يصبح حقيقياً، يحتاج اعترافاً صريحاً من حزب الله، وبالممارسة، بحق الاختلاف والاعتراض ليس فقط لدى الآخرين، بل في بيئته الخاصة، كما في غيرها.  من دون حماية حق الاختلاف والمعارضة عموماً، (جوهر الممارسة الديمقراطية)، وحق المعارضين على سبيل المثال في التعبير والتنظيم والممارسة، ومنها حقهم في الترشّح والاقتراع الحر، ومن دون خوف أوعوائق، فلا معنى للزعم بالانتساب إلى الديمقراطية، والممارسة الديمقراطية. ومن دون ذلك لن يكون التطور الذي نرصده بالتالي حقيقياً.   

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".