منازلة المقاعد الدرزيّة: فوز جنبلاط و"صفر" للمُمانَعة

20 أيار 2022 09:48:48

لا تشبه الظروف التي أحاطت استحقاق الانتخابات النيابية على صعيد دائرة "جبل لبنان الرابعة" (الشوف، عاليه) سواها من المحطات السابقة. ولم يكن "ستاتيكو" النتائج بذاته متشابهاً مع الدورات الانتخابية الماضية. قلبت الأرقام كلّ الموازين المثقلة بالضغوط لناحية التلويح باقتراب محور "الممانعة" من التوغّل نيابياً في مقاعد الدائرة المطبوعة بحضور القوى السياديّة، التي رسّخت حضورها التحالفيّ مع انتخابات 2005 وتمثّلت بغالبية المقاعد النيابية المرتبطة بأحزاب التقدّمي الاشتراكي و"القوات اللبنانية" وتيار "المستقبل" والكتائب والوطنيين الأحرار. وكان للمرحلة التحضيرية لانتخابات 2022 أن رسمت مؤشرات مختلفة من التحديات لجهة تركيز "حزب الله" أهدافه على تحقيق خروقات درزية وسنيّة، معتمداً خطاب الحثّ على انضواء حلفائه في لائحة واحدة. وقد اعتمدت ثلاثة أساليب تكتيّة في الحصار الانتخابي وفق تلقّف المكوّنات السيادية، انطلاقاً من محاولة الدخول من بوابة إقليم الخروب واستغلال فرصة عزوف الرئيس سعد الحريري لاستمالة أبناء المنطقة. وتُرجِم الأسلوب الثاني في صبّ الأصوات الشيعية لرفد حظوظ الفوز بالمقاعد الدرزية. وتمحور الهدف الأكبر في الاعتقاد بأن ضمّ كلّ الأطراف في لائحة واحدة مع الوزير السابق ناجي البستاني، مسألة من شأنها ترجيح إمكان الفوز بحواصل إضافية.

ولم يتطابق حساب الحقل مع حساب البيدر مع انخفاض عدد المقاعد التي نالتها اللائحة، وسقوط النائب السابق طلال أرسلان على الرغم من منافسته عبر مقعد فارغ. وتمثّل تركيز أنظار رئيس التقدمي ليل الأحد - الاثنين في السهر الاستطلاعيّ بانتظار الاطمئنان على تحقيق نتيجة العبور الآمن لرفيق محطاته النائب مروان حماده إلى دورة برلمانية جديدة. وانعكست تجربة عيّنة دائرة الشوف - عاليه على جميع دوائر الحضور الدرزي. وكان فوز النائب هادي أبو الحسن عن دائرة "جبل لبنان الثالثة" (بعبدا) والنائب وائل أبو فاعور عن دائرة "البقاع الثانية" (البقاع الغربي، راشيا) بالمعطى الاعتيادي، باعتبار أنّ النتائج كانت منتظرة وشبه محسومة. وتصاعدت مؤشرات النجاح الانتخابي الاثنين مع فوز النائب فيصل الصايغ في دائرة "بيروت الثانية" والنائب غسان سكاف في دائرة "البقاع الثانية". ويعزو متابعون معايير النجاح إلى عمل مكثّف للماكينة الانتخابية الاشتراكية التي انطلقت من فهم معمّق لطبيعة القانون الانتخابي و"دوزنة" منحى توزيع أصواتها ودراسة العدد المطلوب على هذا النحو. واستفادت من فهم ظروف تجربة الانتخابات الماضية بما خوّلها سدّ الثغرات السابقة وقياس الموازين بدقّة. وعُلم أنّ سكاف سينطلق في مسيرته النيابية في إطار النائب المستقلّ. ويتّجه للانضمام الى كتلة "اللقاء الديموقراطي" من باب اعتباره حليفاً.

وتقرأ مصادر بارزة في التقدمي عبر "النهار" في المكاسب التي حققتها بُعَيد الاستحقاق الانتخابي، انطلاقاً من تأكيدها "صدّ محاولة الاغتيال السياسي بنجاح وتثبيت المرجعية الأساسية الوطنية للمختارة ووليد جنبلاط، على الرغم من كلّ التشويه والتحريض تحت شعار "كلن يعني كلن" حيث تأسست كتلة نيابية متنوعة مناطقياً وطائفياً بالعدد نفسه". وتشير المصادر إلى أنّ "النتائج ساهمت بتوجيه رسالة حاسمة في الميثاقية الدرزية. كما في تأكيد الشرعية الشعبية في ظلّ نسبة الاقتراع المهمة في الشوف وعاليه، وشرعية خطاب التقدمي القائم على السيادة والإصلاح. ورسّخت انطلاقة النائب تيمور جنبلاط في المعمودية التي خاضها خلال هذه الانتخابات، على الرغم من التحديات الجمّة التي لم تقف في وجه اعتبار التقدمي الرابح الأساسي". وتلفت إلى أنّ "خيار الكتلة محسوم لجهة التوجّه السيادي الاستراتيجي كجزء لا يتجزأ من محور القوى السيادية. وسيكون للكتلة اضطلاع بدور الميزان على صعيد مقاربة المواضيع الداخلية". وعن استحقاق انتخاب رئاسة مجلس النواب، تجيب أن "العلاقة ثابتة مع الرئيس نبيه بري ويمكن انتخابه. ولا يعني ذلك الاتفاق معه على كلّ الملفات، حيث سبق أن تعارض التقدمي و"أمل" في الأشهر الماضية على مواضيع عدّة أساسية منها التحقيق في واقعة انفجار مرفأ بيروت ومشروع قانون الكابيتال كونترول".

ينطلق الاستنتاج العام لناحية نتائج الانتخابات التي انبثقت على صعيد المقاعد الدرزية الثمانية من ثلاثة منطلقات أساسيّة: نجح وليد جنبلاط في منازلة الصمود السياسي وتثبيت ركائز حضوره من خلال الفوز بتسعة مقاعد فاقت تصوّر ترجيحات مراكز الاستطلاعات الانتخابية. وفشلت قوى "الممانعة" في التوسّع درزياً بعد تقلّص حضورها إلى "صفر مقعد" نيابي مع خسارتها مقعدي عاليه وحاصبيا. وعبّرت فئات من الناخبين الدروز عن توجّه تغييري، في مقابل رفض التمدّد "الممانع" وحجز تذكرتين نيابيّتين في كتلة ستكون محسوبة على قوى التغيير. ولا يمكن الاستهانة بمعاني عدم نجاح مروان خير الدين في العبور إلى الندوة البرلمانية لمصلحة مرشح الانتفاضة فراس حمدان. ويشكّل فوز كلّ من ضوّ وحمدان معطى قويّاً ترجم بالقدرة على القفز فوق كلّ الصعوبات والانطلاق في كسب معركة لم تكن سهلة أبداً. ويعني ذلك أنّ الناخب الدرزي حاضر على صعيد الناخبين الذين اتخذوا على عاتقهم استكمال خطى مرحلة انتفاضة 17 تشرين، مع إشارة مواكبين إلى أنّ نسبة الحضور الدرزي في كتلة قوى الانتفاضة ستكون كبيرة ووازنة إذا ما احتسبت من ناحية عدد المقاعد النيابية الدرزية عموماً. وستركّز الكتلة العتيدة على بلورة مواقف واضحة لجهة عدد من الاستحقاقات المقبلة. وهكذا، تكون قد صدرت نتائج الانتخابات على الصعيد الدرزي بمنحى يؤكّد فوز جنبلاط، خسارة "الممانعة"، وبروز قوى الانتفاضة.