رحلة في ذاكرتي العجوز

17 أيار 2022 14:52:48

لم يكنْ يكسِرُ صمتَ السوادِ الذي حضَنَ غرفتَه ُغير فحيحِ اِرتشافِهِ لِقهوتِه...وخيالِه المتراقصِ على الحائطِ مُناجيًا إيَّاه وهو على كرسيه الهزاز...

كرسيهِ تعوّدَ أنْ ينحني مرّةً للإمامِ ومرّةً للخلفِ مِن دونِ أنْ يَثْنَي لَهُ ظهرَه أو يَكسرَه، بَل يتمايلُ  بِهِ بخفَّةٍ وَرشاقةٍ كأنَه يقولُ لِشيبِ الرأسِ: «سأسلِّيك ولا تَخَفْ، لنْ أُوقعك!»... فيبتسِم له،

يَربِتُ على حافتِه ليقولَ له أنَّه يثقُ به، ويعرفُ يقينًا أنَّه لنْ يَخذِلَه!

ويتحرَّك ليؤنسَهُ الضوءُ المتسَّربُ المتسلِّلُ من بين تجوُّفاتِ نسيجِ ستارةٍ على نافذةٍ لم يقفْ على حافتِها يومًا لينظرَ الشارعَ؛ فَالأصواتُ التي كانت تصلُ إليه كانت كفيلةً بأنْ تُثنيَهُ عَنِ النظرِ...والمرءُ لا يَقْرُبُ ما يَسُمُّ سمعَهُ ونظرَهُ!

يتحرَّكُ الضوءُ بِشعاعِهِ الخجولِ مِن الأرضِ إلى الحائطِ وجزءًا مِن سقْفِ الغرفةِ التي تعوَّد منْها أنْ تُساعِدَهُ على اِبتكارِ اللوحاتِ مع النسيمِ إذا هبَّ عليلاً في فصلِ الربيعِ، ولهيبِ حطبِ المدفأةِ في فصلِ الشتاءِ، يتنقّلُ على مهْلٍ وكأنَّه يعلمُ أنَّ الرحلةَ قد حانَ إيذانُها...

ويعودُ الفحيحُ من جديدٍ، فَصوتُ ارتطامِ بقايا البُنِّ المتناثرِ فوقَ يديْهِ، وتنهّدٌ يروي معاناةً قِوامُها ربَّما مئة عام... وهل هناك بعد المئة مِن سبيل؟! 

وبهدوٍء لمْ يفقِدْهُ حتى بعْدَ اِنفجارِ الرابعِ مِن آب الذي هدَمَ منزلَه، وقتلَ حفيدتَهُ، وطمَرَ أحدَ أبنائِهِ تحتَ إهراءات ِالموت، وقطَّع رِجْلَيْ زوجَ اِبنتِهِ، وفتَّتَ زوجتَهُ غبارًا ونثرَهُ بينَ سماءٍ هجرَهَا ساكِنُوها في تلك اللحظةِ بِالذاتِ وَبين أرضٍ أجهضَتْ كلَّ ما فيها مِن حياةٍ وَبين بحرٍ لَفَظَ كلَّ ما حَبِلَ بِهِ مِن أسرارِ الدَّمارِ وَبينَ عنبَرٍ تعوَّدَهُ في القُرى عبيرَ ربيعٍ وإشراقٍ وجُعِلَ في المرفأِ عنبرَ موتٍ وقتلٍ عمدٍ بِلا حيَاء... بهذا الهدوءِ لَـمْلمَ ذرَّاتِ البُنِ وَشَخَصَ بنظرِه إلى حيثُ تتراقَصُ الخيالاتُ على الحائطِ والسقفِ ذكرياتٍ...

«لعلِّي مُنذُ أنْ أُوْجِدْتُ اِقْتَرَنْتُ بِالآهاتِ؟!... أهلاً بِصرخَتي الأولى...صرخةٌ لمْ أدرِكْ وقتَها أنَّها ستستمِرُّ كما بدأتْ غارقةً بِالدماءِ... وذاك تِربٌ لي ألعَبُ معه باِلكرةِ، وآخرُ أقارعُه في الحسابِ، أمَّا ذاك المتكِّئُ إلى السياجِ متظاهرًا بِتثبيتِ مبناهُ فَقَدْ أدخلَ إلى ملعبِ حيِّنا الغرباءَ، ومكَّنَهُمْ مِن ملعبِنَا، وطابتِنَا، ومرمانا، وكلِّ المنافساتِ!...»

ويتراقَصُ الضوءُ بِقدومِ طيفٍ جديدٍ، طيف أشباهٍ يتراكضون أو يتسابقون وَهُمْ يصرخون بأَنَّهُمُ المرمى قاصدون، ولِلسياج مُحَصِّنون...وَتحتَ فَجَواتِ نِعالهِم أطيافٌ صغارٌ يُسحَقُون...
وَتصْدَحُ الأناشيدُ مهلِّلةً للِقادمين ولِلنعلِ الذي يدوسُ... 

يَرفعُ يدَهُ العجوزَ مِن جنبِهِ لِتمسَحَ دمْعَهُ وتُسنِدَ ظلَّهُ... «لقدْ حاولتُ أنْ أرفعَ الظُّلم فَخُوِّنْتُ، ثمَّ برصاصاتِ الغدرِ قُتِلْتُ... فسلَّمتُ أبنائي شُعْلةَ العملِ، ثمَّ عُدتُ في فجرٍ جديدٍ، أردتُ أنْ أُتْربَ الأرضَ بعد أنْ شوَّهَتْهَا الجراحُ، أنْ أعيدَ إلى أترابي طابتَنَا، وإلى ملعبِنَا منافسَاتِنا وجَرْيَنَا وضحكَنا وفوزَنا ولملَمَةَ جراحِ الخاسرِ مِنّا... أردْتُ المحبةَ أنْ تَسودَ، لكِني ألقيتُ نفسي غريبًا في دياري، وأسيرًا في قراري، ومرهونًا لِغريبِ الديارِ... وبِصيغِ المُبالغةِ قالوا إنِّي عميل!!!»...

لِبُرهةٍ كانت لظهرِهِ دهرًا، بعيدًا عن ظهرِ كُرسِيه، استراحَ، وأمَالَ برأسِهِ ناحيةَ جدارٍ جديدٍ...

كانتِ الأشباحُ تتزاحمُ وتتصارعُ، وبعضُها يتناغمُ ويتسَامرُ... بدا له المشهدَ مسرحيَّةً في تلفاز، تسافرُ بهِ من أرضِ رملٍ إلى أرضِ نهرٍ وكنعان، والثعبانُ رفيقُ السفرِ، ينْفُثُ السُّمَّ حُلواً مرَّةً ومرَّة مُرًّا... وَمَعَ ذلك علا شبحٌ بملامحِ عُمرانٍ ونظامٍ ورئيسِ وَبرلمانٍ وَأحلام... وشبحٌ رَسَمَ المَدَنيَّةَ شعرًا ونثرًا وألوانًا تراقصَتْ على أوتارِها الألحانُ وسادَ بِأرْزِها الأمانُ... إلى أنْ جَاءَ الطوفانُ...

خفَتَ الضوءُ وَبهَتَ، هَجَرَ شُعَاعُ النهارِ سَبيلَ الستارةِ... وتصدَّعَتِ الأشباحُ وتَزَلزلتِ الأطيافُ... اِنشقَّ البحرُ وغَرِقَ موسَى، نجَا فرعونُ وَسَادَ، واستبدَّ بِالرِّقابِ وَالعبادِ... أرادَ أنْ يبنيَ ثلاثةَ أهراماتٍ تَفُوقُ الجيزةَ حَجْمًا على ألاَّ يُسمَحَ لِلعامَةِ إليها بالدخول، لتكونَ حِصْنَهُ المنيعَ وحصَّالةَ نقودِه!... 

لو كانَ يدري أنَّها ستكونُ يومًا لِذنوبِه، أَكانَ بَنَى وأعلا واتَّخذَ مِنْ دونِ العدلِ إلهًا؟؟؟...

وهبَّتْ بِالنافذةِ رياحٌ عاتيةٌ، اِقتلعتِ الستارةُ، مزّقتْهَا، نثرَتْها فوقَ الأثيرِ... اقتَلَعتِ الأشباحَ، سلَّعتِ الأصواتَ، أذهلَتْهُ عنْ كُرسيهِ... أرادَ أنْ يقفَ ليلمَّ غبارَ ذكرياتِه المتناثرةِ بِفعلِ الانفجارِ، أنْ يمنعَ العصْفَ من تفتيتِ الجدارِ، أنْ يُعيقَ الليلَ عنْ أنْ يسودَ على النَّهارِ، أنْ يُجذِّرَ الطغيانَ في أرضِ الفناءِ، لكنَّه وجدَ أنَّ كرسيَهُ الخشبيَ قدْ رحَلَ، وأنَّ المكانَ كلَّه أصبحَ ذكرى، جملةً في خطابٍ، دمعةً أثناءَ زيارةٍ، يدًا في جيبِ بنطال... 

أرادَ أنْ يقفَ لكنَّه وجدَ أنَّه مثبَّتٌ فوق كُرسيٍّ لا يراه... أرادَ أنْ يصرخَ فوجدَ في عينِهِ مطَّاطًا وَفوقَ فمِهِ حذاءً... تناولَ بِيدِهِ الحرَّةَ قلمًا وَكتبَ للحريَّةِ فوقَ الدّمارِ، خاطَ جرحًا في صدرِه المفتوحِ، تحسَّسَ بَتْرًا جعلَ رِجلَهُ تنتظرُهُ عندَ البابِ، حاولَ أنْ يصلَ إلى دُرجِ الإسعافاتِ فَإِذْ فيه نفيٌّ للدواءِ... لـَمْلَمَ ما استطاعَ مِن واقعٍ كانَ له رَغْدًا واليومَ نيرانًا... هدَأَ، سكنَ، أطرقَ السمْعَ...
فقد عكَّرَ صفْوَ الألمِ وَالتفجُّعِ وَالفقْدِ وَالتقهقرِ صوتُ فحيحٍ...
«قهوتي تكسَّرَتْ وَتناثرَ بُنُّهَا فوقَ الرصيفِ!!!»
نظَرَ بِعَيْنِ المئةِ بعدَ التأسيسِ فَأَبْصرَ فحيحًا بِلسانٍ وَلا مِنْ بُنٍّ ولا فنجان!!!

 

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".