"طريق الحرير".. وقمة موسكو - بكين

قمة منتدى الحزام والطريق التي انعقدت في العاصمة الصينية بكين بين 25 و27 أبريل/نيسان الماضي بدعوة من الرئيس الصيني شي جين بينج، كانت قمة التعاون الاستراتيجي بين روسيا والصين بامتياز. وأهمية حضور 37 رئيس دولة وحكومة من أوراسيا للقمة، لم يغطِّ على وهج المباحثات التي جرت بين مسؤولي أقوى دولتين في آسيا.
ومبادرة طريق الحرير التي أطلقها الرئيس الصيني في العام 2013، تساعد على ترسيخ التعاون الروسي الصيني، وتؤمّن غطاء دولياً للحلف المتجدِّد بين الدولتين؛ لأن استراتيجية المبادرة الصينية تتركز على مسارين أساسيين: الأول عبارة عن طريق الحزام الاقتصادي الذي يفتح آفاق تبادل السلع بين الدول المعنية، والثاني تأمين طريق بحري آمن وثابت بين الشرق والغرب، تنساب عبره البضائع. وفي هذين المسارين تكمن مصلحة روسيا والصين على وجه التحديد، خصوصاً من خلال الطرق البرية والسكك الحديدية وخطوط جر النفط والغاز التي تم استحداثها، أو التي يُعمل على إنشائها، والتي تربط الصين مع أوروبا مروراً بالأراضي الروسية، وأراضي دول «أوراسية» أخرى.
من المفارقات اللافتة التي حصلت على هامش المنتدى، منح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وسام الصداقة من قبل نظيره الصيني شي جين بينج، وهو الوسام الأرفع في البلاد الذي يمنح لشخصيات أجنبية. وهذه أول مرة في التاريخ يمنح لرئيس أو قيصر روسي؛ ذلك أن التعاون بينهما مر عبر محطات مختلفة، كانت فيها بعض الحروب أحياناً، ولكن غلبت على هذه العلاقة سمة الصداقة، ولكن هذه الصداقة لم تصل في الماضي إلى المستوى المتقدّم الذي وصلت إليه اليوم، حيث وصف الرئيس شي جين بينج الرئيس فلاديمير بوتين بالصديق الأول للصين.
وأهمية القمة الجانبية بين بينج وبوتين، هي أنها أسفرت عن توقيع إعلان مشترك يُجدد العلاقات الاستراتيجية بين البلدين. وقد تضمن الإعلان تأكيداً لأهمية السلام في شمال شرق آسيا، وللحوار القائم بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، إضافة إلى بنود تتعلق بالتعاون الاقتصادي والأمني.
الرئيس بوتين قال إن المباحثات مع الرئيس الصيني أظهرت تطابقاً في وجهات النظر حول عدد كبير من الملفات الدولية الساخنة، لاسيما حول ملف كوريا الشمالية، حيث أشاد الجانبان بالتعاون الذي يُبديه الرئيس الكوري الشمالي كيم جونج أون، وهذا الأخير كان في ضيافة الرئيس بوتين في أقصى شرق روسيا الأسبوع الماضي، في أعقاب توتر علاقات بلاده مع الولايات المتحدة الأمريكية إثر وصف وزير الخارجية مايك بومبيو لجونج أون «بالطاغية». والرئيس الصيني الذي أرسل دعوة لكوريا الشمالية لحضور منتدى طريق الحرير على الرغم من أنها ليست على «هذا الطريق»، صرّح بأنه سيستضيف الرئيس الكوري الشمالي في المستقبل القريب، وقال بينج: إن الأزمة النووية الكورية الشمالية لا يمكن حلّها إلا من خلال الحوار.
يبدو واضحاً وجود رغبة مشتركة عند الصين وروسيا للتقارب في هذا الوقت بالذات، وأكثر من أي وقتٍ مضى، ذلك أن الهجمة الأمريكية كما يقول المسؤولون الروس تجاوزت كل الحدود. فمقررات حلف شمالي الأطلسي الأخيرة، أعادت روسيا إلى الهدف الأول أمام الحلف، وركزت هذه المقررات التي صدرت من واشنطن بمناسبة مرور 70 عاماً على تأسيس الحلف، على تعزيز القدرات العسكرية الميدانية في الدول القريبة من روسيا، وإطلاق سباق تسلّح نووي تكتيكي وإلكتروني في مواجهة روسيا ودول أخرى.
أما الصين فإنها متضايقة جداً من التعامل التجاري مع الولايات المتحدة الأمريكية، على الرغم من تنظيم هذا الخلاف بينهما مؤخراً، كما أن التوتر بين السفن البحرية العسكرية للبلدين وصل إلى حافة الاصطدام في بحر الصين الجنوبي، بحيث تعتبر بكين أن عدداً من الممرات المائية بين الجُزر هناك جزء من مياهها الإقليمية، بينما تعتبرها واشنطن مياهاً دولية مفتوحة للملاحة أمام جميع السفن.
من نافل القول إن تطوير مستوى التعاون بين روسيا والصين يحمل مؤشرات على توتر دولي مُتجدد بين الشرق والغرب. كما يبعث على إرساء مقاربات تجارية دولية جديدة بعد العقوبات التي فرضتها واشنطن مؤخراً على عدد من دول المنطقة.
الرئيس بوتين أعلن أن التبادل التجاري بين البلدين وصل في العام 2018 إلى 87 مليار دولار، ويأمل أن يصل هذا التعاون إلى 100 مليار في العام الحالي، وهو رقم قياسي لم يتحقق من قبل.