قضايا – فضائح لا يمر عليها الزمن!

04 أيار 2019 07:00:00

تمضي الدولة اللبنانية بخطى ثابتة نحو المجهول. فمسلسل الفضائح لا يتوقف، وكل فضيحة تحجب ما قبلها، وكأن ما ينشر وما يروي لا يعني أحداً، بل كأنه يحدث في بلاد أخرى.

هي حالة لبنانية لا سابقة لها. حتى في أزمنة الفوضى، وإنقسام الدولة بين سلطتين، كانت إحداهما فاقدة الشرعية. وفي الأمس نشرت مصادر "مؤتمر سيدر" معلومات تفيد أن لبنان فقد سبعة مليارات دولار من حسابه بسبب الفوضى والعجز عن تحمّل الاعباء المترتبة عليه للمؤسسات الدولية.

حتى ان اللبنانيين من "العامة" الذين لا يتعاطون بالعملات والارقام أصبحوا في غربة عن الواقع الذي يعيشون عواقبه ولا يجهلون أسبابه، لكنهم يدركون أن الأمل بالتحسن ضئيل.

ومع هذه الحال عاد إلى الأذهان ذلك "البلاغ" الذي تلاه وزير الخارجية جبران باسيل مطلع الاسبوع الفائت، عبر وسائل الإعلام المحلية، والعربية، والعالمية، وكان عن خطر إفلاس الخزينة، من دون أن يوضح ذلك.

كان ذلك "البلاغ" من "النوادر" التي يمكن ان تحصل في دولة من العالم الثالث، حيث لا قوانين، ولا دساتير، تطبق، ولا ضمانات بوجود قضاء، ولا معارضة، او إضراب ضد السلطة.

ولا بأس من إعادة فقرة من ذلك "البلاغ" الذي لا سابقة لمثله في بلاد تدرّس الحقوق، والعدل، والقوانين، مع قيم الديموقراطية.

قال الوزير باسيل في تلك الليلة:

"هناك من يجب ان ينبه الناس اليوم إلى أن التخفيض الموّقت لرواتب الموظفين إذا لم يحصل فلن يبقى معاش لأحد... وأنا أقول للناس انه لا يجب النظر فقط إلى جيوبهم (عيب!...) فهذا الأمر يجب أن يكون جزءاً ضئيلاً مما يجب تخفيضه في الدولة... وإذا كان يجب البدء بالوزراء والنواب فليكن في الموازنة... هناك قرارات صعبة... ولهذا فالأكثرية صامتون لا يريدون ان يجعلوا من أنفسهم ابطالاً، وإلا فلن يبقى معاش لأحد"...

هذا كلام خطير يصدر عن وزير يُعتبر ناطقاً باسم العهد، وليس عن رئيس حكومة، أو عن هيئة رقابة قانونية درست، وراجعت، حتى توصلت إلى نتيجة بدراسة موّثقة.

وقد ترافق هذا الكلام مع "صرخة إستغاثة" نشرتها جريدة "النهار" يوم الجمعة الماضي بعنوان: "أكثر من ثمانين مؤسسة أقفلت في بيروت"...

لكن، والحمدالله، جاء آخر إيضاح شبه رسمي، ومؤكد، يفيد بان دولة العهد تطبق الاقتراح القاضي بتكليف موظفي القطاع العام من الفئات ذات الرواتب والاجور المتوسطة لتأمين سداد عجز الموازنة نتيجة الدين العام الذي قاربت، أو تخطت، ارقامه المئة مليار دولار.

وسواء كان هذا صحيحاً، أو محاولة تطمين، فالواقع الذي يعيشه الشعب اللبناني، بمعدل تسعين بالمئة لا يبشر إلا بارتفاع معدل الفقر، والبطالة، والغلاء والديون، مع إنعدام الامل بالتحسن في زمن قريب، فالعهد بات قريباً من منتصف الولاية، ولا رؤية واضحة، ولا دلائل على أن النصف الثاني سوف يكون أفضل، فالاستراتيجية التي قام عليها العهد لا تعدو كونها ذخيرة من خطب، وتصريحات، وجولات، ورحلات خارجية، وإطلاق وعود مفعمة بالأحلام، والأجمجاد، وبالعزّ والرخاء لملايين من المغتربين اللبنانيين في جميع أقطار الأرض.

لكن، مع ذلك الجهاز الصغير في راحة اليد أصبح الفضاء الكوني الواسع مفتوحاً أمام المدعي، والمدعى عليه، وعبر ذلك الجهاز وصل الوزير باسيل، كما وصل الوزير السابق أشرف ريفي، بالصوت والصورة، إلى تلك الملايين من اللبنانيين المنتشرين حول العالم... وقد ظهر ريفي ومعه ملف لبناني كبير عن حال الدولة اللبنانية، وعن إدارتها، ومشاكلها، وهمومها، بالوقائع، والتفاصيل، والأرقام، والتواريخ.

وإلتزاماً، بالقانون، وبحق الرأي العام اللبناني الذي يكفله الدستور، بالاطلاع على الوقائع وصولاً إلى الحقيقة، من دون تزوير، أو ضغط، أو إغراء، أصبح الرأي العام متشوقاً إلى مناظرة مفتوحة على شاشة التلفزيون بين الوزير باسيل والوزير السابق أشرف ريفي، للوصول إلى الحقيقة.

فهل يرحب الفريقان أو احدهما، بالفكرة...

من حق الرأي العام اللبناني أن يعرف الحقيقة.

ومن واجب المعنيين بالأمر أن القضايا – الفضايح التي إنكشفت وصارت ملك الرأي العام والحق العام لا يمر عليها زمن.