استقرار العراق ضرورة إقليمية

05 أيار 2022 09:39:46

يحتاج العراق إلى استقرار أمني وهدوء سياسي طال انتظارهما، واستقرار العراق ضرورة إقليمية، لما لبلاد ما بين النهرين من أهمية جيوسياسية وازنة. وما تعرّض له العراق خلال الأربعين سنة الماضية من اضطرابات عسكرية وسياسية كبير جداً، وكان لهذه الاضطرابات تأثير واسع في الدول المحيطة وفي المنطقة برمتها. وعلى الرغم من تحسن الأوضاع في السنوات الأخيرة بعد القضاء تقريباً على الإرهاب «الداعشي»، فإن الأزمة الداخلية ما زالت قائمة، وتغذّيها التدخلات الخارجية، لاسيما من قبل الدول المجاورة للعراق من الشرق ومن الشمال.
وتفاقمت الصعوبات منذ بداية هذا العام بشكل واسع، فقد أخفقت قوى البرلمان الجديد في تأليف حكومة على الرغم من مرور ما يقارب سبعة أشهر على الانتخابات التشريعية، والبرلمان فشل في انتخاب رئيس جديد للجمهورية بعد أن انتهت ولاية الرئيس برهم صالح، ولم تنجح الحكومات الماضية في وضع حد للسلاح المتفلِّت الذي ينتشر في أحياء المدن، وفي أغلبية المحافظات العراقية ويُربك عمل الأجهزة الحكومية، كما زاد الطين بلّة، الجفاف الذي ضرب الموسم الزراعي هذا العام، وترافق مع شح في المياه جراء تناقص تدفقات نهري دجلة والفرات وروافدهما، وبعد أن أقدمت إيران على تحوير مجاري بعض الروافد، وأقامت تركيا سدوداً جديدة على مجاري النهرين الكبيرين. وتترافق هذه الصعوبات مع انقطاع للكهرباء جراء توقف إيران عن تزويد البلاد بالكمية المتفق عليها من هذه الطاقة، بسبب المشكلات التي تعانيها، والناتجة عن العقوبات الدولية المفروضة على الاقتصاد الإيراني.
الاصطفافات العمودية للقوى التي فازت في الانتخابات حاصرت كل مساعي الحلول الوسطية التي طُرحت. وبعد إعادة انتخاب محمد الحلبوسي رئيساً للبرلمان في 9  1  2022، أخفقت الكتل في الاتفاق على انتخاب رئيس للدولة؛ لأن رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البرزاني يُصر على تولي مرشحه ريبوار أحمد لهذا المنصب؛ كون حزبه حصل على 31 مقعداً في البرلمان، بينما يعترض تحالف «الإطار الشعبي» على هذا الانتخاب، ويصرّ على إبقاء المنصب للرئيس برهم صالح المحسوب على الاتحاد الوطني الكردستاني، على الرغم من أن الاتحاد تراجع في الانتخابات وفاز ب17 مقعداً فقط. وانتخاب الرئيس يحتاج إلى ثلثي أعضاء البرلمان.

 وعلى الضفة الحكومية تبدو الصورة معقدة، ويتفاقم التباين بين الكتلة الصدرية (73 نائباً) المدعومة من ائتلاف قوى السيادة السنية والحزب الديمقراطي الكردستاني، وبين تحالف «الإطار التنسيقي»، ومن بينه الرئيس الأسبق للحكومة نوري المالكي، ورئيس تحالف الفتح هادي العامري، ورئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني، وفصائل مختلفة من الحشد الشعبي، وهؤلاء ليسوا أكثرية، لكن مجموع نوابهم يؤلفون أكثر من ثلث أعضاء المجلس بقليل، وبالتالي فهم قادرون على تعطيل عملية انتخاب الرئيس، ومن دون انتخاب رئيس للجمهورية لا يمكن تشكيل حكومة؛ لأن الدستور ينص على أن رئيس الجمهورية يكلف رئيس أكبر الكتل الفائزة بالانتخابات تشكيل حكومة جديدة.
مقتدى الصدر أمهل القوى المعارضة 40 يوماً لإيجاد حل للأزمة، بما في ذلك دعوتها إلى تأليف حكومة لا يتمثل فيها تياره، والمهلة تكاد تنتهي من دون أي نتائج عملية؛ بل إن ائتلاف القوى المعارضة رفض عرض الصدر، وأصرّ على المشاركة معه في تشكيل الحكومة الجديدة، لكن الصدر يعترض على هذه المشاركة؛ لأنه يرى فيها طريقة لتعطيل عمل الحكومة، وهو ينادي بتأليف حكومة أكثرية وطنية تستطيع اتخاذ قرارات سيادية، وتتحمل مسؤولية قراراتها أمام الشعب.
تنظر الأوساط السياسية العراقية مبادرة من رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البرزاني لفك الانسداد الذي يواجه انتخاب رئيس جديد للدولة. فهل تحمل المبادرة تخلياً عن ترشيح ريبوار أحمد، واقتراح قبول ترشيحات جديدة للموقع بعد استبعاد برهم صالح؟ ذلك يحتاج لموافقة البرلمان، ولا يحصل بقرار من رئيسه فقط، وفق ما رأت المحكمة الاتحادية العليا.
والصدر قال إن لديه مبادرة جديدة سيطلقها بعد عطلة عيد الفطر؛ لأنه وحلفاءه في تحالف «إنقاذ وطن» الثلاثي، يدركون لعبة التعطيل التي يمارسها ائتلاف قوى المعارضة، ولهؤلاء مصلحة في إفشال الأكثرية، وتعطيل قدرتها على حكم البلاد؛ لأن فرض السيادة والقانون والنظام العام الذي ينادي به التحالف الثلاثي لا يناسب فصائل الحشد الشعبي، ولا يروق للذين يستفيدون من الفوضى.
فهل تتم الدعوة لانتخابات جديدة تُفرز قوى برلمانية قادرة على توفير الاستقرار للعراق؟