ما بعد بعد مزارع شبعا

رشيد حسن |

العقوبات الأميركية ضد ايران بدأت تنهك الاقتصاد الايراني وتنعكس بتقلص مبيعات النفط وفرار الاستثمارات وانكماش الاقتصاد وتدهور العملة وتفاقم التضخم وازدياد البطالة.. 
والرئيس ترامب مصمم على تضييق الخناق إلى أن تقبل طهران بشروط واشنطن الصعبة.

هناك كلام بأن الإيرانيين بدأوا يفاوضون سرا لان لديهم ما يفيد بأن النظام نفسه قد يكون هو المستهدف وليس اقتصاد إيران فحسب. ولأنه ليس باستطاعة إيران تحمل ست سنوات أخرى من هذا الخنق المنهجي والمتصاعد من قبل إدارة الرئيس ترامب. وقد تخلت أوروبا عمليا عن طهران بعد أن وعدت بمساعدتها على تجاوز الحصار أما الصين وروسيا فلهما مصالح كبيرة مع واشنطن ولن تغامران بها.

النزف الايراني جراء الحصار النفطي والعزل المصرفي بدأ يظهر  في تناقص موارد طهران الحيوية المخصصة لجبهاتها المفتوحة في لبنان واليمن وفي سوريا وغيرها وهو ما قد يؤدي إلى انكماش قاعدة القوى المقاتلة وتراجع معنوياتها  ويهدد بالتالي المكاسب الإيرانية التي تحققت بتكلفة مالية هائلة وتضحيات بشرية في تلك الجبهات.. 

في سوريا بصورة خاصة روسيا بدأت تستفيد من محنة إيران لتبديل الموازين على الأرض وتوسيع رقعة نفوذها وهناك انباء عن اغتيالات متبادلة بين أتباع روسيا وجماعة إيران في منطقة درعا وغيرها في سياق لعبة المواقع هذه.

في هذه "الحشرة الكبيرة" فوجئت طهران بوليد جنبلاط يسحب بساطا من تحت ارجل حزب الله التابع لها في لبنان هو مزارع شبعا، وجنبلاط يدافع عن نفسه ويرد على العبث المتمادي بالوضع الدرزي، لكنه في الوقت نفسه يؤشر في موقفه إلى قراءة سلبية لأفق الوضع الايراني على مختلف الجبهات... أي أن الازدواجية الروسية في سوريا ثم فتح موضوع مزارع شبعا في لبنان ليسا تطورين تاكتيكيين  بل مؤشران على تصدعات  ذات طابع استراتيجي في الجبهة الإيرانية. 

هذا هو في نظرنا سبب ردود الفعل الشرسة على إثارة جنبلاط لموضوع عادي كان في يوم مطروحا على طاولة الحوار الوطني قبل أن يتم تدريجيا إدخاله في خانة المحرمات. 

إن إيران المنهكة بل المهددة بالحصار الأميركي لن تتهاون في الاحتفاظ بكل ورقة في يدها الآن لاستخدامها في المساومة وأمل الحصول على صفقة جدية نووية-سياسية تنتشلها من المخاطر المحدقة، وهي لذلك لا تتحمل ما قد تعتبره أضعافا لموقفها التفاوضي مع واشنطن. لكن المحدلة الأميركية تسير والزمن لصالح واشنطن بينما كل يوم يمر يزيد في انهاك الوضع الايراني.. 

أما وليد جنبلاط، العالم بما تحمله رياح الغد،  فإنه بموقفه المجازف -والمفاجىء-  يريد ربما ادخال لبنان الأسير في المساومات المتوقعة لعله يجد له حظا بفك قيده ووضع حد لعذاباته المكتومة.